الصفحة 11 من 31

الأول: يرجع إلى الموضوع الذي تتناوله هذه المجادلات والمخاصمات وتطوف حوله هذه الشبهات والتلبيس والتشكيك، وجِماع هذا يرجع إلى اتباع الرأي، وتحكيم العقل والرأي على السمع، فيكون مقدمًا عليه مع التكلُّف والخوض في ما لا يعنيه، في هذه الحالات يمتنعون من المجادلة والمخاصمة على سبيل الاختيار، يعني إلا إذا اضطروا، يعني يوجد حالات استثنائية، وإلا فالأصل أنهم لا يجادلونهم، لا يجادلون هؤلاء؛ وذلك أن ما كان طريقه السَّمع -يعني لا يُدركه العقل- فلا مجال للجدال والخوض فيه بالرأي والنظر والقياس، هذه قضايا تؤخذ من السمع فيُقال: قال الله كذا ..

ثم أيضًا المسائل والقضايا التي لا يبلغها عقل المخاطب تُطرح قضايا ودقائق ومضائق لا تصل إليها عقول هؤلاء المخاطَبين، فمثل هذا يُعرضون عنه لأن ذلك سيُفضي إلى التَّكذيب، وهكذا أيضًا الجدال في آيات الله -جل جلاله وتقدَّست أسماؤه- فإن مثل هذا مذمومٌ شرعًا: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} ، الذين يجادلون بغير علم في آيات الله -تبارك وتعالى- ولا هدى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [غافر: (35) ] ؛ والمقت أشد البغض.

وهكذا أيضًا أولئك الذين يتَّبِعون المتشابه من القرآن فهؤلاء هم الذين سمَّى اللهُ فحذّر منهم السلف -رضي الله تعالى عنهم-: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: (7) ] ، وهكذا أيضًا أولئك الذين يُمارون في القرآن، سواء كان هذا المِراء في ألفاظه بنِسبته إلى الله

-تبارك وتعالى- أو التشكيك في بعض القراءات الثابتة يعني في الألفاظ القرآنية، أو كان ذلك من قَبيل المُماراة في المعاني فهذا أيضًا نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مُحَرَّمٌ.

وهكذا أيضًا ما كان على سبيل التَّكلُّف والتَّعمق كالتَّنقير عن أمور لا يسوغ التنقير عنها من دقائق المسائل، والبحث عما لا يَعني فهذا لا يجوز، أو الاشتغال بالأمور الفَرَضيَّة، فهذا أيضًا يشغل عمَّا كان الإنسان بصدده كالذين يَفترِضون الشبهات أو يسألون عن أمور لم تقع مما لا حاجة للسائل إليه، لا يحتاج إليه ويجلس يجادل في هذه القضايا ويضيّع الأوقات، فآثار ذلك من المفاسد أعظم مما قد يُتوهَّم من المصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت