فهرس الكتاب
إذًا نحن قد لا ننظر إليه في الرد، ولكن ننظر إلى مَن وراءه، نريد هداية هؤلاء، نريد إيصال الحق لهم، وانظروا كيف كان شيخ الإسلام -رحمه الله- يناقش أتباع عَدِيّ بن مُسافِر وهو من الصوفية، لأنه أراد هداية هؤلاء الأتباع، فحدَّد الهدف.
وكذلك أيضًا ينبغي على كل حال أن نكون مُنصِفين، وهذا أمر ثالث في من يقوم في الرد، الله يقول: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى:15] ، فورثة النبي - صلى الله عليه وسلم - منصبهم العدل بين الطوائف كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
وهذا الإنصاف يقتضي أن يكون الحكم على الظاهر دون الباطن، لا ندخل في النيات ونقول:"هو يقصد كذا"،"هو يتستّر بالتوحيد"،"هو يتستّر بدرس التوحيد"، لا يتستّر ولا ما يتستّر! هذا عند الله -تبارك وتعالى-، نحن علينا من الظاهر، فما الذي صدر منه؟ ما الذي قاله؟ ما الذي كتبه؟ دَعْك مما في باطنه، ولهذا قال الله -عز وجل-: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125] ، والرد نوع من الدعوة، قال: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] ، قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} [النحل:125] ، يعني لا تتدخل فيما وراء ذلك، تقول:"هو يقصد كذا"،"هو لا يقصد كذا"،"هذا قصده كذا من المقاصد الفاسدة"، هذا لا يسوغ.
من الإنصاف أننا نحمل الكلام على محملٍ صحيح إن أمكن، طالما أن قائله معروف بالاستقامة، ونُرجع الكلام من المتشابه له في موضع إلى المُحكَم من كلامه، أما أن يقع الإنسان على المواضع التي تحتمل الإساءة ويُحمِّلها ولا بد على أسوأ المحامِل فهذا هوىً، ولا يمكن أن يكون ذلك مقبولًا عند أهل الإيمان، ولا يكون لأصحابه من القبول والمحبة والرِّفعة عند أحد من أهل الإيمان، فيكون ذلك مُقدَّمًا فيهم، أبدًا؛ الحاسد لا يرتفع، والمريض لا يرتفع، إنسان عُرف عنده كلام متشابه أرجِع الكلام إلى المحكم، أما أن تبحث عن الخطأ، عن الزلة، أن تُوقِعه في الخطأ إجبارًا، فهذا فعل من لا يريد الحق!