الصفحة 25 من 31

وكذلك أيضًا يحتاج إلى رِفق، فالرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه، ومن يُحرم الرفق فقد حُرِم الخير كله، {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، إذا كان المقصود هو استِمالة القلوب وهداية الناس، فلا بد من البحث عن السبيل الذي يُوصِل إلى هذا.

ولذا أقول دائمًا للإخوان الذين يتصدَّون للرد ومناقشة أهل البدع أو يجعلون لهم مواقع إلكترونية، أو لهم مناظرات في القنوات ونحو ذلك أقول: حدّد الهدف من البداية، ماذا تريد؟ إن كنت تريد هِداية هؤلاء الناس فلابد أن تُقدِّم الحُجج بقوالب مقبولة، لكننا أحيانًا في واقعنا وحالنا وطريقتنا وأسلوبنا كأننا نقول لهم لا تقبلوا الحق منا، لماذا؟ لأننا نصكُّهم صكَ الجندل وننُشِّقُهم الخردل، ونقول اقبلوا! هؤلاء سينفرون ولا بد، فيُنظر في القول اللين، اظهارً الشفقة على هؤلاء، تجنُّب الاستفزاز من أجل ألا يتَّخذوا مَتَاريس وتتجذَّر هذه الضلالة والبِدعة، ويذبُّون عنها ويُحامُون عنها بكل غالٍ ونفيس.

الذين يجتمِعون من أجل مُناقشات ومن أجل ردود إلى آخره يحتاجون أن يتجرَّدوا من الهوى، وهذا يحتاج إلى تجرُّد من حظوظ النفس، وإذا كان هذا بحضرة الناس أو على القنوات يُشاهده الملايين يصعب على الإنسان أن يتجرَّد من حظوظ نفسِه، لا يظهر في موقف ضعف فلربما التزم الباطل وقال على الله بغير علم، وهذه مشكلة كبيرة جدًا، فهذ الإنسان المتجرِّد من هواه لا يُفرِّق فيما إذا ظهر الحق على لسانه أو لسان مخالفه، هو مقصوده أن يسعى في بيان الحق، وأن يصل الناس إلى هذا بصرف النظر عن ذاته، إذا ظهر الحق اعترف به من غير مُكابرة.

إذا اجتمع اثنان في جدال، مناقشة، مناظرة، مخاصمة، لا بد أن يُراعوا هذه الأشياء؛ أن يتجرَّد من التعصُّب، أن يكون هناك أصل لهؤلاء الذين يُناقشون ويتجادلون يرجعون إليه، كما ذكر الشاطبي -رحمه الله- في أنواع المخالِفين وطرق المجادلة، وطريقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت