فهرس الكتاب
وهكذا أيضًا قصدوا توقّي أثر هذه الشبهات لئلا تقع في القلوب؛ لأنه كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-:"قد تعلق بالقلب فلا تخرج منه"، وقالوا:"القلب ضعيف"، كانوا مع رسوخ علمهم وثبات إيمانهم لا يسمحون لأنفسهم ولا يسمحون لغيرهم أن تكون أسماعهم وقلوبهم محلًا لهذه الشبهات يُلقي فيها من شاء ما شاء، بل كان الواحد منهم يضع أصبعيه في أذنيه، وإذا جلس إليه واحد من هؤلاء قام وتركه، ويذكرون أن فتنتهم أَعلَقُ بالقلوب من الجَرَب! هذا خلاصة ما كانوا يُعلِّلون به؛ فالقلوب تُحفظ من هذه الأوضار والشبهات التي تفتك بها.
وهكذا أيضًا توقيًا لسخط الله -تبارك وتعالى-؛ فالله قال: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} ، فالجلوس مع هؤلاء مِن الخائضين حال خوضهم يعرّض صاحبه للوقوع في سخط الله -عز وجل-.
الأمر الثاني: فيما يتَّصل بمنهجهم في التعامل مع هؤلاء أنهم كانوا يذمُّون الجِدال والمخاصمة والمِراء وينهون عن ذلك، نجد هذه النصوص بكثرة، وإذا نظرنا إلى هذه النصوص نجد أنها على أنواع، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يستقرِئ، ثم بعد ذلك يتأمَّل في هذه المقولات وهذه النصوص، وينزّل كلَّ طائفةٍ التَّنزيل الصحيح دون أن يضرب بعضها ببعض أو أن يجتزئ ببعض دون بعض، فهذا إنما يقع فيه الإنسان إما لجهله وقصور بحثه، أو أنه يقع فيه بسبب الهوى؛ يعني يأخذ من الأشياء ما يناسبه، يأخذ من الروايات ما يؤيد مقالته ورأيه، والمؤمن إنما يطلب الحق ويتجرَّد له وما ينفعهُ هواه.
ولهذا أقول: هذه المنقولات عن السلف -رضي الله تعالى عنهم- في ذم المجادلة والجدال والخصومة والمراء وما إلى ذلك، هي على أنواع: