بعض المُجمَل من القرآن ولم يردوا القرآن بعضه إلى بعض، ولم يردوا القرآن إلى السنة، وطعنوا صراحة في أحاديث رواها الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولما كان عندهم هذا الجفاء وهذا التشدُّد في دين الله طعنوا في أمر علي بن أبي طالب وإمامته، قالوا له: حكَّمت الرجال في دين الله ولا حُكم إلا لله، وتمالأوا على الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وحصل القتال بينهم وبين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع الصحابة على قِتالهم، وتربَّصوا بعد ذلك بأمير المؤمنين علي حتى قتلوه، فأن الذي قتل عليًا هو عبد الرحمن بن مُلجم من الخوارج.
ومع هذه الضلالة وهذا العدوان الذي اعتدوا به على المسلمين وعلى خيرة المسلمين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن الصحابة -رضي الله عنهم- وهم أئمة السنة الأولى، هؤلاء الأئمة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قصدوا معهم مقام العدل ولم يكفّروهم، وهذا من هدي أهل السنة والجماعة أنهم لا يأخذون الشريعة مُقابَلةً؛ مع أن الخوارج كفَّرتهم واعْتَدَت عليهم، إلا أنهم مَضَوا فيهم بحكم الله ورسوله، ولما قِيل لأمير المؤمنين علي: يا أبا الحسن أكُفَّار هم؟ قال:"من الكفر فرُّوا"، قيل: يا أبا الحسن أمنافقون هم؟ قال:"إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا وهم يذكرون الله كثيرًا"، قيل: فما هم؟ قال:"هم إخواننا بَغَوا علينا، أصابتهم فتنة فعَمَوا فيها وصمُّوا".
فمِن ظهور الخوارج بدأ ظهور الانحراف، وصار لهذا الاسم وجه من المناسبة والسبب، حينما يقال:"منهج أهل السنة والجماعة"؛ فإن هذا التخصيص بأهل السنة قام سببه بظهور هذه الطوائف، وإن كان المسلمون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يُضافون إلى القرآن والسنة، فيقال أهل القرآن، ويقال أهل السنة، فهذا من الأسماء الشرعية الأولى.
فإذًا هذا التخصيص لا يمكن أن يُمانَع في شأنه من جهتين: أنه إضافة إلى سنة النبي والإضافة إلى السنة صحيح حتى قبل قيام السبب، ثم إنه بعد قيام السبب يكون مُتَّجِهًا.