وظهرت الشيعة مع ظهور هؤلاء في عهد علي -رضي الله عنه- وصارت بعد ذلك طوائف.
ثم لما انقضى عصر الخلفاء الراشدين زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية ظهرت فتنة القَدَريَّة، فكان البحث في عدالة الصحابة وفي رواية الصحابة عند الخوارج، وما نتج عنه من الضَّلال في مسألة الإيمان، ثم بعد ذلك ظهرت القَدريَّة زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية فإنك تعلم أنَّ ابن الزبير مانع بني أمية حتى قُتل. وظهرت بعد ذلك فتنة المرجئة، ثم لما كان في أواخر الدولة الأموية ظهرت الترجمة بعد فتح البلدان وامتداد الفتوحات.
ثم شاعت هذا الترجمة وجاوزت العلوم التي تسمى بالعلوم التطبيقية إلى ترجمة المعارف الدينية لبعض الأمم من اليونان وغيرهم، واتَّسعت هذه الترجمة لمسائل الإلهيات ومسائل الدِّيانات للأمم الفلسفيَّة وغيرها، اتَّسعت في دولة بني العباس، ولا سيما في دولة أولاد الرشيد العباسي، وخاصة في خلافة المأمون؛ فإن المأمون العباسي ابن هارون الرشيد هو أول خليفة من من خلفاء المسلمين وسلطان من سلاطينهم ينحرف في معتقده عمَّا عليه سواد الأئمة وعامة الأئمة، وما عليه الإجماع عند أئمة الاجتهاد من أهل الفقه والحديث، فإنه تبنَّى مقالة المعتزلة، وظهرت المعتزلة في زمن التابعين، ومالوا عن أئمة التابعين.
فكثُرت هذه البدع وهذه الضلالات، وصار هها الانحراف أوجه؛ منه غالٍ وجافٍ، وماظهرت مقالة من الجفاء إلا قابلها مقالة من الغلو، ولا ظهرت مقالة من الغلو إلا قابلها مقالة من الجفاء؛ فلما طعنت الخوارج على علي بن أبي طالب حتى كفَّرته، غلا فيه قوم إلى أوجهٍ من أوجهِ الغلو المعروفة في مذاهب الشيعة. ولما قالت القدريَّة مقالتها