ونُسِب للتصوف من انتسب للتصوف بنفسه كالجُنيد بن محمد وأمثاله، ولكن هؤلاء تصوفهم -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-: تصوُّفٌ مُقتصِد، وإن كان يعرِض فيه مقامٌ من الخطأ في الأقوال أو التصوُّرات، لكنه ليس التَّصوف الغالي.
وبعده مقام أعظم منه بُعدًا وأكثر منه خطأ، إلى أن وقع التصوف الغالي الذي هو تصوُّف الباطنية.
فهذه الأوجه من الخطأ في مسائل السلوك أو في مسائل العلم والنَّظر الناس في أثرها على وجهين: منهم من كان متأثرًا بها مختصًّا بها عن السنة والجماعة، كما هو شأن غلاة المخالفين لأهل السنة الذين لم ينتسِبوا لسنة والجماعة، وأما مُقتصِدة المخالفين فهم مُنتسِبون للسنة والجماعة. وفيهم كثير من أهل العلم والفضل والصلاح والتقوى ممن الْتَبَست عليه هذه المسائل من أعيان الفقهاء أو أعيان النُّظار، فهؤلاء يُقام لهم مقام معروف في الأئمة من الصلاح أو حسن العمل، أو مقامات من العلم في مسائل الفقه أو أصول الفقه أو مسائل رواية الحديث أو مصطلح الحديث ونحو ذلك.
وهذا من عدل أهل السنة والجماعة أنهم يزِنون الناس بميزان الشريعة، ولهذا ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله-من الأصول أن كلَّ من أرد الحقَّ واجتهد في طلبه من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخطاه فإن خطأه مغفور له. ولكن لما كانت هذه الأصول مستقرَّة مستفيضة متواترة في الكتاب والسنة لم يختص أهل البدع عن نقص في هذا الأصل، ولم ينفكُّوا عن نقص في تحقيق هذا الأصل، فعندهم مادة من نقص الإرادة، ومادة من نقص الاجتهاد، وإن كانت أحكام المآل في الآخرة فصلُها وقضاؤها إلى الله -سبحانه وتعالى-.
فلهذه الأحوال التي تقلَّبت في التاريخ بظهور التصوف ومناهجه واتجاهاته، وظهور علم الكلام، وظهور الفلسفة، وقبل ذلك ظهور الخوارج ومن كان على منهجهم في الطعن في السنة وفي عدالة الصحابة؛ لهذه الأسباب حصل في هذه الأمة هذا التفرُّق الذي نهى