بخلاف هَدْي أهل السنة والجماعة؛ فإنه لا يختصُّ بإمام معيَّن، وإذا ذُكر الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، أو ذُكر مالك فإن المراد أنه من أئمتهم، وإلا فإن أهل السنة والجماعة ليس لهم متبوع يختصُّون باتباعه ويصدُرُون عن قوله أجمع إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما غيره ولو جلَّ مقامه فإنه كما قال مالك:"كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُترك".
فإذًا أئمة السنة هم صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم من أخذ هديهم وطريقتهم من أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين أثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم كما في حديث عمران -رضي الله تعالى عنه-، وهم -أعني صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين أمر الله العباد باتّباع طريقتهم باعتبارها هديًا يُفهم به كتاب الله، وتُفهم به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا على وجه تميُّز ما فقهوه وما فهموه أنه مختصٌّ أو منفكٌ عما جاء في كتاب الله أو سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكانت هذه الطريقة هي طريقه أهل السنة والجماعة، ويجمعها جُملة من الأصول.
هذا المنهج -أعني منهج أهل السنة والجماعة في فهم النص- الذي تميَّز عن مناهج الطوائف الأخرى؛ فإن كل طائفة لها منهج في فهم النص، ولا ندخل في تفاصيل تلك المناهج وإنما أُشير إليها فيما سبق إجمالًا، فإن المقصود من هذا المجلس ليس البحث في مُفصَّل منهج تلك الطائفة أو غيرها، وإنما في منهج أهل السنة والجماعة، فيُقال إنَّ منهجهم يقوم على تحقيق أصول بتحقيق هذه الأصول امتازوا عن سائر الطوائف، وهذه الأصول بمجموعها كمقدّمات يحصل عنها نتيجة شريفة وهي تحقيق المعرفة بالله وبشرعه وتحقيق العمل الصالح الذي بعث الله به الأنبياء والرسل، فإن الله -سبحانه وتعالى- قال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} [التوبة: 33] ، فاجتماع هذه الأصول يحصل به كمال العلم وكمال المعرفة وتحقيق العمل، وهذا معنى قول الله -سبحانه وتعالى-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] .