والاقتداء سُنة من سنن الأنبياء إذا وقعت على وجهٍ مِن العلم والمعرفة وبعُدت عن التعصُّب والغلو والزيادة في قَدْرِها، فإنها إذا كانت على الرتبة الحسنة سُمِّيت اقتداءً، وهي من شعائر الأنبياء كما قال الله -جل وعلا- لنبيه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، وتأسَّى نبينا - صلى الله عليه وسلم - بإخوانه من الأنبياء في موارد من سنته وصارت من سُنته ومن سُنة إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
والذين أمر الله الاقتداء بهم في هذه الأمة هم السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، فلا يُخرج عن منهجم وطريقتهم بما أوجب الله من هذا الحكم في قوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] ؛ فجعل الخبر هو إخباره أنه رضيَ عنهم ورضُوا عنه، فأثنى عليهم، وهو -جلَّ وعلا- لا يُعطي هذا المقام الأشرف الذي هو مقام الرضى منه وهو أعظم مقامات الكرامة كما قال سبحانه: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] ، لا يكون هذا المقام إلا لمن جمع العلم والعمل؛ إلا لمن حقَّق العلم والعمل، فلمّا قال عن السابقين الأولين: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 100] ، دلّ على أنهم محقِّقُون للعلم والعمل.
وشرَعَ الاقتداء بهم فقال: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} ، وهو معنى قوله -سبحانه وتعالى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] ، وهذه الآية أفادت أن ثَمْةَ تلازمًا بين هَديِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وسبيل المؤمنين؛ فإن المؤمنين لا يُجمِعون على خلاف هَديِ نبيهم - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا كانت أصول الاستدلال عند أئمة السنة من أهل الفقه والحديث التي أجمعوا عليها: الكتاب والسنة والإجماع، فما كان إجماعًا في المسائل أو إجماعًا في طرق الاستدلال لا يصحُّ الخروج عنه بطرق مبتدَعَة أو بأدلة مبتدَعَة أو بأحكام مبتدعة.