فهرس الكتاب
فتعظيم أصل الاقتداء -وإن كان يحتاج إلى بَسْطٍ وبَيانٍ ولكنّ المَقام هنا هو مقَامُ اقتصاد وإجمال-، تحقيق هذه الفريضة وهذه الشَّعيرة بعد الشَّعيرة الشريفة الأولى التي هي أشرفُ المقاصد والأصول؛ شعيرة التسليم لله ولرسوله معرفةً وإخلاصًا، تحقيق الاقتداء بهدي الصحابة -رضي الله عنهم- ومن اتَّبعهم، والذين اتبعوهم من كان على طريقتهم من علماء المسلمين، وهؤلاء متسلسلون في التاريخ، ولا تزال هذه الأمة باقية على هذا الأصل في أئمة السنة الذين نقلوا هدي الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من الفقهاء والمحدِّثين وأصحاب العبادة من فضلاء العبَّاد والصالحين.
والأصل في عامَّة المسلمين من العوام أنّهم على هذه الطريقة بخلاف الطُرق الأُخرى فإنها طرق مُخالفة لأصل الهَدْيِ وقريبِ الإدراك، ولهذا لا يستطيعوها في كثيرٍ من الأحوال العامة حتى يُصرَفُوا إليها صرفًا؛ فإنَّ الطريقة التي عليها أهل السنة هي الطريقة المناسبة للفطرة لأنها هي هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
إذًا الأصل الثاني: الاقتداء بمن شرع الله الاقتداء به اقتداءً معتدِلًا لا يقود إلى التعصُّب ولا يقود إلى الغلو في شأنهم، ولهذا يتَّسع الاختلاف مع اختلافهم، ولا يكون قول آحادهم -أعني الصحابة- حُجَّة، بل يكون قولُ بعضِهم ممّا يُستأنس به إذا اقتضاه الدَّليل، أو كان قولًا لجمهورهم، أو لم يُعرف له مُخالف؛ كما هو معروف في تفاصيل الاستدلال في مسائل الأصول.
وحتى من أطْلَق من العلماء والفقهاء وأهل الأصول أنَّ قول الصحابي حجة عند طائفة؛ لا يريدون به أن كل قولٍ يكون حجةً؛ فإن هذا لم يَقل به إمام، وإلا لصار الصحابي مُشرِّعًا وهذا لا قائل به؛ فإنهم ليسوا معصومين عن الخطأ بل يُصيبون ويُخْطئون، ولَكنْ لهم هديٌ ذكره الله في القرآن وشَرَعَ الاقتداء به، وهذا الهَدْيُ ليسَ مُنفكًّا عمّا جاء في كتاب الله وسنة نَبِّيِهِ، بل إذا نظرت إليه حتى من جهة النظر العقلي بَانَ لك أن ما يأتي في