فهرس الكتاب
أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيم [يس: 78 - 79] ، إلى غير ذلك مما لا يتّسِعُ المَقامُ للتفصيلِ فيه.
إن القرآن تضمن من الحقائق العقلية التي يتحقَّق بها تمام المعرفة، وهي كما ذكر الإمام ابن تيمية الأمثلة المضروبة في القرآن، في مثل قوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ، {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} .
فهذا التحقيق عند أهل السنة والجماعة لمقام الشرع والعقل به برِئُوا من ضلالتين ومن خطأين:
الخطأ الأول: مَن جعل ثمة ممانعة بين دليل العقل ودليل النقل، كما سار ذلك وشاع ذلك في طوائف علماء الكلام الذين جعلوا ثمة تمانعًا بين الدليل العقلي وبين الدليل النقلي، بين دليل العقل وبين دليل السمع كما يسمونه، ونتج عن هذا التمانُع عندهم تأويل النصوص، فقُسِّم الدين إلى ظاهرٍ وإلى مؤوَّل، وهذه من البدع التي عَرَضت في تاريخ المسلمين؛ فإن الدين ليس له قِسمان متقابِلان أحدهما ظاهر والآخر مؤوَّل، أو ظاهر وباطن كما عند الباطنية الذين جعلوا للدين ظاهرًا وجعلوا له باطنًا، من باطنية الصوفية أو غيرهم، أو مَن جعل للدين ظاهرًا وتأويلًا كما في طرق مدارس المتكلمين. فإذًا برئوا من هذا الخطأ الذي هو جَعْلُ ممانعة ومنازعة بين العقل والنقل.
وبرئوا من الخطأ الثاني: الذين أبطلوا المعنى العقلي مطلقًا وأعرضوا عنه مطلقًا، كما جاء في بعض طرق الصوفية، حتى صارت بعض الأفعال عندهم من الخرافة التي لا معنى لها.
فلم يُنازِعوا الكتاب والسنة بالعقل -أعني أهل السنة-، ولم يُسقطِوا مقام دليل العقل، ولكنَّ دليل العقل ليس دليلًا مستقلًا بنفسه بل يكون تحت هيمنة الشريعة، وإلا فإنَّ فاضِل