فهرس الكتاب
النَّظر هو مما أُثني عليه في الشريعة، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه لابن عباس: (اللهم فقّهه في الدين) ؛ وفِقْهُه في الدين هو فاضلٌ من النظر.
وأنت تعرف أن العقل إذا ذهب سقط مقام التكليف، وما ذُكر في القرآن على سبيل الذَّم، لكن ادَّعى طوائف من علماء الكلام وعلماء النظر أدلة سموها عقلية وهي ليست كذلك، سموها حقائق وهي شبهات، فضَلُّوا بها وأَضَلُّوا، وإلا فإن الحقائق العقلية الصحيحة لا تُنازِع ما أخبرت به الرسل من الحقائق الشرعية، ولهذا لما صنَّف الإمام ابن تيمية -رحمه الله- مصنَّفه في هذا سماه: (درء تعارض العقل والنقل) ، ما قال: تقديم النقل على العقل، وإنما قال: درء التعارض بين العقل والنقل؛ أي ليس ثمة تمانعًا بين الدليل العقلي الصحيح وبين دليل النقل الصحيح، فمن قال بعقله دليلًا خالف الشرع عُلم أنه عقل فاسد وأنه ليس دليلًا عقليًا صحيحًا بل يكون وهمًا وظنًا كما قال الله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} ما يكون علمًا.
فإذًا برِئ أهل السنة من بدعة التأويل ومن بدعة الظاهر والباطن، ومن بدعة الخرافة في بعض أوجه الأفعال، وصاروا في عباداتهم على عبادة مستقيمة، ولهذا الشريعة لم تتضمَّن وجهًا من غير المناسبة، وتفرَّع عن هذا أنهم لما نظروا حتى في مُفصَّل الشريعة وإن كان هذا النظر لا يلزم اختصاصه بهم بل يشاركهم كثير من الطوائف في هذا، جعلوا الشريعة مُعلَّلة، ومن هنا قامت الأدلة التي تناسب تعليل الشريعة في الاستدلال على فروعها كدليل القياس؛ فإنه لولا تعليل الشريعة ما قام دليل القياس، فإنه إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ لعلَّة جامعة بينهما. وقام على تعليل الشريعة دليل الاستحسان؛ فإنه في بعض أوجهه عُدولٌ عن القياس الجَليّ إلى القياس الخفي.
فإذًا حُسن الجمع بين العقل والنقل لأن الضلالة في هذه المسألة والخطأ في هذه المسألة -مسألة العقل والنقل- هي من أدق المسائل التي حصل وتفرَّع عنها الكثير من النزاع