• السبب الثالث من أسباب الانحراف: وهو غياب أو فقدان آدب الخلاف عند عامة الناس.
فكثير من الناس بسبب الانفتاح الإعلامي الذي حصل في العصر الحديث عندما ترِد إليه الأقوال المتعددة من أهل العلم، أقوال مختلفة، تُوقِع في نفسه شيئًا من التردُّد والشك، بل وصل الحد ببعضهم إلى درجة الشك في الشريعة الإسلامية إذ كيف تكون في المسألة الواحدة مثل هذا الاختلاف، أليس المصدر واحدًا، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - واحد، ودستورنا وهو القرآن واحد، فكيف تتشتَّت الآراء؟!
ربما بعض ضِعاف النفوس يُنفذ إليهم من خلال هذا المنفذ، من خلال الاختلاف الفقهي بسبب عدم درايته بكيفية التعامل مع أقوال أهل العلم المختلفة، ويظن البعض أن الخلاف إنما وقع في العصر الحاضر، وفي الحقيقة الخلاف هو سُنَّةٌ لله كونيَّة، بل هو أمر شرعي من شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ووجود الاختلاف ليس نقصًا في هذه الشريعة، وُجِد الاختلاف بين الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم بين ظهرانيّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كما حصل ذلك في غزوة بني قريظة لما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا يصليَّن أحدكم العصر إلا في بني قريظة) ، فاختلفوا فيما بينهم لما أدركتهم صلاة العصر وهم بالطريق، منهم من أخذ بظاهر النص وأخَّر الصلاة حتى خرج وقتها وصلَّاها في بني قريظة، ومنهم من أخذ بالمعنى وقال إنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُعجِّلنا فصلى في الطريق، فاختلف الصحابة فيما بينهم ولم يعنّفهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
اختلفوا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كان لأبي بكر -رضي الله عنه- آراؤه الفقهية ولعمر آراؤه الفقهية ولابن عباس ولابن مسعود؛ ومسائل كثيرة اختلف فيها القول بين عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-، وهي مسائل كثيرة معروفة في كتب الفقه، لمْ يَكُنْ مثلُ هذا الاختلاف سببًا لِوُرُودِ الشُبهة أو الشك أو الطعن في الشريعة، سارت