الصفحة 19 من 38

الأمة منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى القرون الفاضلة، إلى ما بعدها حتى وقت التدوين ونشوء المذاهب الأربعة؛ ظهر المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وكل ذلك لم يكن سببًا للشك أو التشكيك في أهل العلم، أو الطعن فيهم.

إذًا ما الذي جَدَّ في هذا العصر؟! هل جَدَّ شيءٌ جديد في الاختلاف حتى أصبح سببًا لضعاف النفوس لأن يطعنوا في أقوال أهل العلم أو في نصوص الشريعة؟!

الذي جدَّ في هذا العصر هو في الحقيقة أن هذا الاختلاف وأقوال أهل العلم؛ العَامَّة بدأوا يستمعون إليها ويعرفونها، في السَّابق كان الخلاف موجودًا لكنْ كان كل واحدٍ إنَّمَا يعرف فتوى العَالِمِ الذي في بلده؛ فكان عامة الناس يأخذون بعلماء بلدهم، لم يكونوا يعرفون بأقوال أخرى؛ مع أن تلك الأقوال الأخرى موجودة، في العصر الحاضر مع الانفتاح الإعلامي والقنوات الفضائية ومواقع النِّت وأدوات التواصل الاجتماعي وغيرها؛ أصبح الواحد يستمع إلى عدة فتاوي في الموضوع الواحد من علماء من شتى أقطار الأرض ولم تخرج هذه الأقوال عن إطار الخلاف الفقهي، فظن هذا المسكين أن هذا بسبب ضعف الشريعة في العصر الحاضر وتفكُّكها, وضعف العلماء واختلافهم وضعف كلمتهم.

وهذا غير صحيح؛ مثل هذا الاختلاف -كما قلت- هو سنة كونية, والنبي - صلى الله عليه وسلم - وجَّهنا إلى أن نتعامل معه الوِجهة الصحيحة, وأن الاجتهاد إذا كان في محلّه فهو مقبول, ولا يُعارَض به النص الشرعي, وأخبر -عليه الصلاة والسلام- أن المجتهد الذي يُفتي في فتوى أو يأخذ برأي علمي إما مأجورٌ بأجرين, أو مأجور بأجر واحد, فلا ينبغي أن يجعل من هذا الاختلاف سببًا للتفرُّق والفتنة.

متى نقول إن الاختلاف مذموم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت