الصفحة 21 من 38

بعضًا بسبب مثل هذا الاختلاف، فأن يأتي بعض الصغار والمتشدّدين أو بعض من ليس عنده دِراية وتضلُّع بالعلم فيتمسّك بالقول إلى درجة أنه يُنابذ الآخر الذي يأخذ برأي آخر، فهذا في الحقيقة نقول عنه إنه تفرُّق وليس اختلافا، وهذا الذي نهانا الله تعالى عنه بقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران:105] .

ولذلك كان السلف -رضوان الله عليهم- لفِقههم وعِلمهم ورَجَاحة عقلهم يُراعون مثل هذا الأمر، وأنَّ موافقة الجماعة في مثل هذه المسائل الظنية هو الأَوْلى ويترجّح، وقرَّر شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- قاعدة في هذا الباب، قال:"الأَوْلى الأخذُ بالقول المرجوح موافقةً للجماعة"؛ يعني يترجَّح أن يأخذ الإنسان بالقول المرجوح وإن كان يعتقد في قرارة نفسه أنَّ هذا القول مرجوح حتى يوافق الجماعة; لأن مصلحة الجماعة مقدَّمة على الأخذ بذلك القول الراجح.

الإمام مالك -رحمه الله- سأله بعض طلبته، وتعرفون مذهب الإمام مالك في سجود السهو، يرى أن الزيادة في الصلاة محل السجود فيها بعد السلام، والنُّقصان محل السجود فيه قبل السَّلام، فسأله بعض طلبته يقولون: نصلي خلف إمام يسجد للسهو بعد السلام في موضع ينبغي أن يسجد فيه قبل السلام، أو العكس، فماذا نفعل؟ فقال الإمام مالك -رحمه الله-:"وافِقهُ في صلاته"; لأنَّ مُوافقة الجماعة في هذه مَطلَب، حتى لا يتحوَّل هذا الاختلاف إلى تفرّق مذموم.

ابن مسعود -رضي الله عنه- كان يرى قَصْر الحاجّ صلاته بِمِنَى، أنه يقصر الصلاة الرباعيَّة، لكنه لما صلّى خلف عثمان بن عفان -رضي الله عن الجميع-، وأتم عثمان -رضي الله عنه- الصلاة الرباعية، صلى خلفه عبد الله بن مسعود وأتم الصلاة، فسأله من معه كيف تفعل ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ فأجاب جواب الحكيم الفقيه قال:"الخلاف شرّ"؛ لأن المُفارقة في مثل هذه الحال قد تؤدي إلى التفرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت