وكذلك الإمام أحمد أجاب من سأله فيمَن صلَّى خلف إمام يقنُت في صلاة الفجر في غير النوازل، ومعروف مذهب الإمام أحمد عدم القنوت في غير النوازل، فوجَّه من سأله أن يقنُت خلف موافقة للجماعة.
الحالات التي يكون الخلاف فيها مذمومًا: ذكرنا الحالة الأولى وهي أن يكون خلافًا في القطعيات، والحال الثانية: أن يؤدي إلى التفريق، والحالة الثالثة: أن يكون ذلك الاختلاف عن هوى وليس اتباعًا للدليل، فبعض الناس إنما يأخذ بذلك القول لأنه يوافق هواه، ويوافق رغبته، وليس باعتبار شرعي، ولذا حذَّر أهل العلم من تتبُّع الرخص، والمقصود بتتبع الرخص أن الإنسان ينتقِي من الأقوال ما يوافق هواه منها، فلا يأخذ من قول ذلك الإمام إلا ما يوافق هواه، ويترك أقواله الأخرى، ثم يأتي إلى الإمام الآخر فيأخذ من أقواله ما يوافق هواه، هذا ما يسمى تتبُّع الرُّخص، وهو يختلف اختلافًا كبيرًا عن الأخذ بالأيسر.
هناك فرق ما بين تتبُّع الرخص والأخذ بالأيسر؛ في تتبُّع الرخص الشخص يتتبع الأقوال بنفسه، يبحث عن القول الذي يوافق هواه، يسأل ذلك العالم فيُفتيه بحرمة ذلك الشيخ، ثم يسأل آخر فيفتيه بالتحريم، يستمر يسأل حتى يصل إلى من يفتيه بالجواز، هذا نقول إنه قد تتبع الرخص، يحاول أن يبحث عن فتوى توافق هواه، عنده عدة أقوال فيأخذ قول ذلك الإمام لا ثقة برأيه، ولا استئناسًا بعلمه، وإنما لأنه يوافق هواه.
بينما الأخذ بالأيسر: أن تصل إلى الإنسان الأقوال، تكون بين بيديه، من أئمة هم في نظره متقاربون أو متساوون في الدرجة العلمية، فهنا عندما تصل عدة أقوال للإنسان المفترض أن يأخذ بقول من يثق بعلمه أكثر، فإن كانوا في درجة سواء أو مُتقارِبة في نظره فلا حرج عليه في هذه الحال أن يأخذ بالقول الأيسر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (بُعثت بالحنيفية السَّمْحة) .