فهرس الكتاب
الغنم في ابتداء حاله, و قال: ما من نبي إلا و قد رعى الغنم [1] ؛ و لهذا قال هرقل ملك الروم ـ حين سأل أبا سفيان [2] عنه: هل في آبائه من ملك؟ فقال: لا. ثم قال: و لو كان في آبائه ملك لقلنا: رجل يطلب ملك أبيه, و إذا اليتيم من صفته, و إحدى علاماته في الكتب المتقدمة, و كذلك إذا وصف بأنه أمي, كما وصفه الله به ـ فهي مدحة له و فضيلة ثابتة فيه, و قاعدة معجزته إذ معجزته العظمى في القرآن العظيم, إنما هي متعلقة بطريق المعارف و العلوم مع ما منح - صلى الله عليه وسلم - و فضّل به من ذلك ,و وجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ, ولم يكتب, ولم يدرس ـ مقتضى العجب, ومنتهى العبر, والأمية في غيره نقيصة؛ لأنها سبب الجهالة, وعنوان الغباوة, فسبحان من باين أمره من أمر غيره! و رحم الله مالكًا, فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث الموهمة للتشبيه, والمشكلة المعنى و قال: ما يدعو إلى التحدث بمثل هذا؟ فقيل له: إن ابن عجلان يحدث بها, فقال: لم يكن من الفقهاء, و ليت الناس وافقوه على ترك الحديث بها, وساعدوه على طيها ,فأكثرها ليس تحته عمل [3] ،و قد حكي عن جماعة من السلف على الجملة ـ أنهم كانوا يكرهون الكلام فيما ليس تحته عمل, والنبي - صلى الله عليه وسلم - أوردها على قوم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه, و تصرفاتهم في حقيقته, ومجازه, واستعارته, وإيجازه, فلم تكن في حقهم مشكلة, ثم جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته الأمية, فلا يكاد يفهم من مقاصد العرب إلا نصها, و
(1) - الشفا ... 2/ 248.
(2) - هو أبو سفيان ابن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس صحابي من سادات قريش في الجاهلية وهو والد معاوية رأس الدولة الأموية أسلم يوم الفتح وأبلى بعد إسلامه وشهد حنينًا والطائف واليرموك وغيرها وتوفي بالمدينة. سنة 31 هجرية - موسوعة الأعلام 1/ 272
(3) - الشفا ... 2/ 248.