وبه تعلم أن قاعدة وجوب الجمع بين الأدلة يتحقق بها سد ذريعة فساد كبير وشر مستطير, وسد الذرائع أصلٌ ثابت الأركان بأدلة السنة والقرآن, وقد تقرر في القواعد أن مالا يتم درء المفسدة إلا به فهو واجب لأن الشريعة جاءت لتقرير المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها, وهذه القاعدة أعني قاعدة وجوب الجمع بين الأدلة فيه تحقيق لمصالح كبيرة وفيه تعطيل لمفاسد كثيرة, فانظر كيف اتفاق القواعد وتداخل بعضها في بعض والله الموفق والهادي.
ومن الأدلة أيضًا:- أنه من المتقرر في أذهان العلماء أن كل دليل من أدلة الكتاب والسنة فإنه يتضمن حِكَمًَا وأحكامًا ومصالح كثيرة, وأن هذه الحِكَم يجب اعتمادها وهذه الأحكام يجب العمل بها وهذه المصالح يجب مراعاتها, فإذا تعارض دليلان في الظاهر, فلو أننا أبطلنا شيئًا منها لكان في ذلك إبطال لحِكَمِه وأحكامه ومصالحه وهذا لا يجوز لكن بالقول بقاعدتنا فإنه تنتظم المصالح والحِكَم والأحكام كلها ويتداخل بعضها في بعض ولا يكون بينها أي إشكال ولا أي اختلاف أو اضطراب أو تناقض, فالحِكَم والأحكام والمصالح لا يجوز إلغاؤها وإبطال شيء منها مادام اعتماده ممكنًا ولا يتحقق ذلك إلا بقاعدة وجوب الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، والعاقل هو الذي يسعى إلى تحصيل مصالح الأدلة وحِكَمها وأحكامها كلها لأنه يعلم أن كل دليل له مصالحه وحِكَمه وأحكامه وهو لا يريد أن يفوّت منها شيئًا لا على نفسه ولا على غيره فيسعى جاهدًا في التوفيق بين الأدلة لتبقى كل مصالحها وكل أحكامها وكل حِكَمها سليمة من الإلغاء أو الإسقاط, فقاعدة وجوب الجمع بين الأدلة فيها حفظ المصالح والحِكَم والأحكام وهذا مطلب يجد ذاته من مطالب الشريعة وكل ما كان وسيلة إلى المطلوب الشرعي فهو مطلوب شرعًا والله أعلم.