الصفحة 12 من 131

ومن الأدلة أيضًا:- أن إهدار شيء من أدلة الشريعة فيه إهدار لجانب من جوانب التعبد, وهذا لا يجوز فكما أنه لا يجوز التعبد لله بما لا دليل عليه فكذلك لا يجوز إسقاط التعبد الذي ثبت به الدليل فكلاهما ممنوعان, فإسقاط ما هو ثابت لا يجوز, وإثبات ما هو ساقط لا يجوز فإذا تعارض دليلان في الظاهر وكل منهما يحمل جانبًا من جوانب التعبد فإن الواجب حينئذٍ هو الجمع فلابد- من باب الوجوب- أن نبذل قصارى جهدنا في الجمع بينهما ما أمكن ذلك وبكل ما آتانا الله من قوة, وذلك للمحافظة على جوانب التعبد كلها ومن المعلوم أن جوانب التعبد يجب العمل بها كلها ولا يتحقق ذلك إلا بقاعدة الجمع بين الأدلة فصار العمل بها من جملة واجبات الشريعة لأنها تحقق مطلبًا من مطالب الشارع والله أعلم.

فبان بذلك أن قاعدة الجمع بين الأدلة فيها حفظ الأدلة والذب عنها, وصيانتها, وتعظيمها, وبها تتحقق مصالح كثيرة من إزالة ما قد يعرض في الذهن على بعض الأدلة, وفيها حفظ ما يتعلق بالدليل من الحِكَم والأحكام والمصالح, وفيها سد لباب القدح في الدليل, وفيها حفظ لجانب التعبدات, وبها يتحقق إعمال كلام الشارع وصيانته من الإلغاء أو الإسقاط, وفيها سد الأبواب على الملاحدة الذين يثيرون الشُبه على أهل الإسلام, وفيها إرغام للشيطان وإيغاض له, وهي تعد وسيلة من جملة وسائل حفظ مقاصد الشريعة, وتتجلى فيها عظمة هذه الشريعة وأنها حق وصدق كلها لا يعتريها الباطل والاختلاف والاضطراب من بين يديها ولا من خلفها وهي في حقيقتها من قواعد الفرقان التي يفرق المسلم بها بين الحق والباطل والمقبول والمردود, وفيها تحقيقٌ لحفظ الدين الذي هو من جملة الضروريات الخمس فإن الدين لا يُحفظ إلا بحفظ أدلته وحفظ أدلته إنما يكون في إعمالها وهو ما تحققه هذه القاعدة الكبيرة العظيمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت