الصفحة 125 من 131

الثاني:- رحمة مضافة إلى الله تعالى إضافة مفعولٍ إلى فاعله, أو تقول:- إضافة مخلوقٍ إلى خالقه, وهذه الرحمة ليست من صفات الله تعالى وإنما هي أثر من آثار رحمته التي هي صفته الذاتية والفعلية كقوله تعالى في الجنة (( وأنتِ الجنة رحمتي أرحم بكِ من أشاء ) )فسمى الجنة أنها رحمته وهي عين قائمة بذاتها منفصلة عنه جلَّ وعلا فالإضافة هنا إضافة مخلوق إلى خالقه ومنه الحديث السابق (( إن الله خلق مائة رحمة .. الحديث ) )فهذه الرحمة المخلوقة ليست صفة من صفاته جلَّ وعلا - حاشا وكلا- وإنما إضافتها إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه, وأنت تعلم أن الإضافة إلى الله تعالى قسمان:- إضافة أشياء لاتقوم بذاتها فهي إضافة صفة إلى موصوف وإضافة أشياء تقوم بذاتها فهي إضافة خلق إلى خالقه أو إضافة لتشريف وتكريم.

فالرحمة التي هي صفته لا تنفصل عن ذاته جلَّ وعلا والرحمة المخلوق منفصلة عنه كل الانفصال, فالرحمة الأولى صفة من صفاته, والرحمة الثانية أثر من آثار هذه الصفة, والصفة شيء والأثر شيء آخر, فالمطر وإنبات الأرض ورزق الأولاد وتراحم الخلق فيما بينهم ونحو ذلك كله من آثار رحمة الله تعالى, كما في قوله تعالى عن المطر وإنبات الأرض واستبشار الناس بذلك: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ} [1] وفي يوم القيامة يرحم الله تعالى عباده بكلا الرحمتين بالرحمة المخلوقة وبالرحمة التي هي صفة من صفاته وعلى هذا فالنصان متفقان متآلفان يصدق بعضهما بعضًا ويؤيد بعضهما بعضًا والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن والله أعلى وأعلم.

(1) سورة الروم آية (50)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت