فهرس الكتاب
الفرع الخامس
لقد ثبتت أحاديث تنفي العدوى وأحاديث تثبتها, فمن الأحاديث التي تنفيها حديث أبي هريرة قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( لاعدوى ولا طيرة ولاهامة ولا صفر ) )ومن الأحاديث المثبتة لها حديث (( لايورد ممرض على مصح ) )وحديث (( فر من المجذوم فرارك من الأسد ) )وحديث (( إذا وقع- أي الطاعون- في بلدٍ فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارًا منه ) )ونحو ذلك فكيف مرة ينفي العدوى ومرة يثبتها؟ أليس هذا من الاختلاف؟
والجواب:- لا والله ليس هذا من الاختلاف ولا من التناقض في شيء فإننا نقر الإقرار الجازم أن الأدلة حق وصدق كلها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وأن كل ماأوهم وجود الاختلاف بينها فإنما هو من عند أنفسنا لا من الأدلة - حاشاوكلا- وما ذكرناه في هذا الفرع من ذلك الباب الذي يظهر منه التعارض ولكنه في ذاته متفق ليس بمفترق ومؤتلف ليس بمختلف وبيان ذلك أن يقال:- إن العدوى عندنا قسمان:- العدوى الابتدائية والعدوى الانتقالية والحديث في قوله (لاعدوى) إنما ينفي العدوى الابتدائية وهي التي يعتقدها أهل الجاهلية ومعناها انتقال العدوى بذاتها بدون قدر الله تعالى, وهذا هو الذي انعقدت عليه قلوبهم وتشرَّبته نفوسهم فجاء هذا الحديث ينفي تأثير هذه الأشياء بذاتها فقال: (لاعدوى) أي أن العدوى التي تعتقدون أنها تنتقل بذاتها لاحقيقة لها وإنما هو شيء فرضته عقولكم ولبَّست به عليكم شياطينكم وإلا ففي الحقيقة أنه (لاعدوى) وذلك لأنه لايجوز أن نعتقد أن ثمة مصرفًا أو متصرفًا في الكون إلا الله تعالى فهو وحده الذي يصرف الأمور ويقدر الأقدار الجارية بالليل والنهار وهو وحده الذي