فهرس الكتاب
بها مطلق النعيم واللذة فقط, أي درجة من درجات النعيم واللذة, لا كلها, والرؤية في الجنة أُريد بها النعيم المطلق واللذة المطلقة التي لانعيم ولا لذة أعظم منها, نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن لا يحرمنا لذة النظر إلى وجهه والشوق إلى لقائه.
الرابع:- أن المؤمنين لما رأوه في العرصات إنما رأوه في موقف الخوف مما أمامهم ومايرونه من الأهوال العظيمة والشدائد الكبيرة التي تزعج القلوب وتفزع النفوس وتشيب لها مفارق الولدان, وأما رؤيتهم له جلَّ وعلا بعد دخول الجنة فإنها في دار الأمن المطلق الذي لاخوف فيه والنعيم الذي لابؤس يخالطه واللذة التي لاكدر يعتريها, والنفوس مقبلة كل الإقبال فلا أهوال تفزعها ولا هموم تشغلها وتصرفها فأين هذه من هذه؟ فإن الشيء إذا رأيته وقلبك قد امتلأ بالشواغل والصوارف, لاشك أنه يختلف إذا رأيته وقلبك فارغ من كل صارف وشاغل وهذا معلوم لكل أحد نعوذ بالله من موت القلوب وعمى البصيرة والله المستعان.
فتبين بهذا أن الفرق بين الرؤيتين ثابت بالشرع والعقل والفطرة فمن أراد التسوية بين الرؤيتين فهو من أبعد الناس عن الهدى وإنما أتي من جهله وغفلته نعوذ بالله من الهوى والجهل والغفلة وعلى ذلك فلا إشكال ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة وهو أعلى وأعلم.