فهرس الكتاب
الفرع الرابع عشر
إن قلت:- كيف نجمع بين قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ) )وقوله عليه الصلاة والسلام: (( قال الله تعالى:- يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ) )فهذه الأحاديث فيها النهي الأكيد والنهي الشديد عن سب الدهر والدهر هو مجموع الليالي و الأيام, فسابُ الدهر مؤذٍ لله تعالى, فكيف نجمع بين هذا وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم ) )فهذا الحديث فيه سب للدنيا فكيف ينهى عن سب الدهر ثم يسب الدنيا؟
والجواب:- أن يقال:- لا إشكال في ذلك ولله الحمد والمنة والجمع بينهما من وجهين:-
الأول:- أن هذا الحديث قد ضعَّفه بعض أهل العلم, فإذا ثبت ضعفه فلا كلام لنا فيه لأن الأحاديث الضعيفة لا تكون مصادمة للنصوص الصحيحة, ولكن قد صححه بعض أهل العلم وحينئذٍ فنذهب للجواب الثاني وهو أن يقال:- ليس هذا من سب الدهر في شيء وإنما هو خبر من الأخبار كما يخبرنا عن وجود الجنة ووجود النار والملائكة فيقول:- النار موجودة والجنة موجودة والكفر لا يحيه الله, فكان مما أخبرنا به أن هذه الدنيا ملعونة, فهو لم ينشئ سبًا وإنما هو إخبار بالسب أي أنه لم يلعنها إنشاءً وإنما لعنها إخبارًا وهذا ليس من سب الدهر في شيء وذلك كقوله تعالى عن لوط: {هَذَا يَوُمٌ عَصِيب} إنما هو خبر عن حقيقة هذا اليوم عنده, وكقولنا هذا يوم حار أو شديد الضيق, فهذا ليس من سب الدهر, وإنما هو مجرد خبر, والذي يكون من سب الدهر هو أن يقال:- لعن الله هذا الدهر, أو ما أقبح هذا