فهرس الكتاب
الفرع الثلاثون
لقد اختلفت الأحاديث في مسألة انتقاض الوضوء مِن مس الذكر, ففي حديث بسرة بنت صفوان قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( من مس ذكره فليتوضأ ) )"رواه الخمسة وسنده صحيح"وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء ) )"حديث صحيح أيضًا"فهذان الحديثان يفيدان وجوب الوضوء مِن مس الذكر, ولكن حديث طلق ينفي ذلك, فعن طلق بن علي - رضي الله عنه - قال (( مسست ذكري ) )أو قال (( الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء؟ فقال:- لا إنما هو بضعة منك ) )"حديث صحيح"فكيف نجمع بين هذه النصوص؟
والجواب أن يقال:- لقد اختلفت مسالك أهل العلم في هذه الأحاديث فقائل بالجمع وقائل بالنسخ وقائل بالترجيح ولكن قد تقرر عندنا أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن والجمع هنا ممكن بلا تكلف وبيانه من وجوه:-
الأول:- أن المس المسئول عنه في حديث طلق يبعد جدًًا بل لا يتصور أن يكون هو المس المصاحب للشهوة وإنما هو المس لعارضٍ وذلك لأن السائل صحابي وإنه ليبعد جدًا أن يسأل عن مس بشهوة في الصلاة التي هي حال الذكر وحضور القلب وتعلق الفؤاد بالله تعالى والخضوع والخشوع له والإنطراح بين يديه واستحضار عظمته, فإن المس بشهوة في هذه الفريضة لو فعله الفاسق لتعاظمناها منه فكيف والسائل عن المس في الصلاة من جملة الصحابة الذين هم أعمق الأمة يقينًا وأكملهم إيمانًا وأشدهم خشية وأعظمهم مراقبة لله تعالى, فإن قوله في الحديث (في الصلاة) أفادنا أن المس المسئول عنه ليس هو المس الذي تصاحبه الشهوة وإنما هو المس العارض ويوضح هذا:-