الصفحة 95 من 131

الفرع الثاني والثلاثون

لقد أثبت الله تعالى الهداية للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [1] ولكنه نفاها عنه في قوله: {إِنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [2] فكيف مرة يثبت أنه يهدي, ومرة يثبت أنه لايهدي؟

والجواب أن يقال:- لا إشكال في ذلك ولله الحمد والمنة والجواب سهل يسير ومثار الإشكال في ذهن البعض إنما هو لمَّا ظن أن الهداية المثبتة هي بعينها الهداية المنفية وهذا ظن خاطئ نشأ من الجهل بأقسام الهداية فقد قرر أهل العلم- رحمهم الله تعالى- أن الهداية قسمان:- هداية دلالة وإرشاد وهداية توفيق وإلهام والمراد بهداية الدلالة والإرشاد أي هداية الظاهر والمراد بهداية التوفيق والإلهام هداية الباطن فأما هداية الدلالة والإرشاد فإنها ثابتة للأنبياء والصديقين والصالحين وأهل الدعوة ونحو هؤلاء لأن معناه التوضيح والتبيين والإفتاء وإزالة اللبس والتعليم والتوجيه والإرشاد وبيان الحلال من الحرام ونحو ذلك وهذه الهداية بهذا الاعتبار هي المثبتة في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وأما هداية التوفيق والإلهام فإنها حق محض لله تعالى لا يملكها أو يملك شيئًا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا وليًا صالحًا, بل هي من خصائص الله تعالى, لأنها عمل قلبي باطني وأمور القلوب بيد علام الغيوب جلَّ وعلا, وهي الهداية المنفية بقوله تعالى:-

{إِنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} وبهذا فلا يكون بين الآيتين أي نوع من أنواع الإشكال أو الغموض وهذا هو الواجب قوله لأن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن والله أعلى وأعلم.

(1) سورة الشورى آية (52)

(2) سورة القصص آية (56)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت