زاوية واحدة, أو من التعويل على صناعة المستقبل دون اعتداد بالحاضر, أو إدراك لصعوباته. وهذا شأن يعز إدراكه على الكثيرين، ويحتاج إلى رؤية جماعية ذات معايشة وفهم ودراية ودربة وتعقل وتجربة. وإن القفز على المراحل واستنبات التمنيات في غير محلها رديء العواقب, والتاريخ لا تصنعه الأماني التي تغر أصحابها, وإنما تصنعه الهمم الصادقة والعقول الناضجة والنظرات البعيدة والانطلاق من الواقع ..
4.إن مقاومة الغزاه المحتلين حق مشروع متفق عليه بين الناس جميعًا, وأصل الإذن بالجهاد هو لمثل هذا، كما قال سبحانه: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج:39] . وقد قرر سبحانه سنة التدافع التي بها حفظ الحياة وإقامة العدل وضبط الشريعة، فقال: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40] فالمقاومة إذًا حق مشروع، لمن يتعرض للغزو من أجل الدفاع عن نفسه وعرضه وأرضه ونفطه وحاضره ومستقبله, ضد الاستعمار الغاشم الذي يتخذ من القوة شرعية يحتكم إليها, وقد جاء الاستعمار قبلًا إلى العالم الإسلامي من مغربه إلى مشرقه, ولم يختلف الناس في مقاومته والتصدي له, والمرجع في تقرير ذلك إلى علماء البلد وزعمائه الصادقين المخلصين ورجالاته المستقلين الذين يقدرون المصالح, ولا يسيرون في ركاب الأجنبي المحتل, ولا يعني أمر الانجرار إلى الفوضى والاضطراب وتدمير متطلبات الحياة, ونشر الرعب, بل هذه فرصة يطل منها اللصوص والمنتفعون الذين يهمهم خلط الأوراق حتى يتمكنوا من تشويه الصورة وقلب الحقيقة, وقد رأينا بعض دوائر الإعلام الغربي التي تحاور ربط المقاومة بأسماء معينة لتمنع الناس من التمييز وتضطرهم إلى الرفض المطلق لها ..
5.إن من مقررات الشريعة الثابتة المستقرة - التي لا خلاف عليها بين أهل الإسلام - حفظ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم. ولم يرد في القرآن وعيد على ذنب بعد الشرك كما ورد في وعيد من قتل مؤمنًا متعمدًا، قال الله سبحانه (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء:93] وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة مرفوعًا أن رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ"وفي الصحيحين عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فَقَالَ «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» وفي صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا"."
ولسنا نعرف لغة أقوى وأوضح وأصدق في إقامة الحجة وقطع المعذرة عن المتأولين والمتحايلين والمتساهلين وأكثر حفظًا لدماء المسلمين وأعراضهم