فهرس الكتاب
روي من ذلك فإنه ينبغي اتباعه وقبوله والعمل به امتثالًا للنصوص الآمرة بإتباعه والناهية عما ليس من شرعه ولا من سنته - صلى الله عليه وسلم - ومما روي من ذلك في شأن المآتم مما له حكم المرفوع حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال [كنا نعد - وفى رواية نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة] [1] .
ولا يفوتنا أن نبين هنا أن حديث جرير هذا له حكم الحديث المرفوع إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه تضمن حكمًا يتعلق بالحلال والحرام، وهذا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقول الصحابي (كنا نفعل كذا، أو كنا نرى كذا، أو كنا نعد كذا، أو من السنة كذا،) له حكم الحديث المرفوع إذا لم يكن للرأى فيه مجال، وهذا ينطبق علي حديث جرير هذا، إذا كان الأمر كذلك فإن هذا الذي أخبر عنه جرير بن عبد اللهـ البجلي من أنهم كانوا يعدون أو يرون الجلوس للعزاء من النياحة أو من أعمال الجاهلية - إنما هو من الأحكام الشرعية التي يحكم بها وأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ هي مما يدخل نطاق الحلال والحرام، أي الأمور التي ليس للرأي فيها مجال ولا للعقل فيها اجتهاد وبذلك يتضرر ويتأكد تحريم المآتم، لأنها كانت على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضى الله عنهم من النياحة، ومن أعمال الجاهلية، ومما لا ريب فيه أن النياحة محرمة، وكذلك أعمال الجاهلية التي نهى عنها الإسلام فإنها محرمة كذلك، إذ أن ذكر أعمال الجاهلية هنا في هذا الحديث حديث جرير، قد سيقت في معرض الذم، وهذا ما يؤكد أنها من المحرمات، والله تعالى أعلم.
وبعد هذا العرض الموجز لأدلة تحريم المآتم من الكتاب والسنة نود أن نورد على سبيل الإيجاز أقوال الأئمة الفقهاء في حكم المآتم فنقول وبالله تعالى التوفيق:-
أقوال أئمة الفقه في تحريم المآتم
لقد بينا فيما سبق الحكم الشرعي في إقامة المآتم بعد دفن الميت وبينا أن هذا الحكم هو التحريم، وأقمنا على ذلك الأدلة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله
(1) ... سورة النور: الآية: 63.