فهرس الكتاب
مفاسد المآتم
إنه مما لا ريب فيه أن الأحكام الشرعية مبينة علي جلب وتحقيق المصالح والمنافع ودفع المضار والمفاسد، وعلى هذا فإنه إذا تعارضت المفاسد والمصالح بمعنى أنه إذا ترتب على فعل شئ ما وقوع بعض المفاسد والمصالح فإنه يترك فعل هذا الشئ وذلك درءًا لوقوع المفسدة، وإن فات ما فيه من تحصيل المنفعة والمصلحة ذلك أن عناية الشارع بالمنهيات أعظم وأكد من عنايته بالمأمورات، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول [ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم] [1] فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن المفاسد نهيًا عامًا وقاطعًا وحاسمًا ولم يستثن من هذا النهي شيئًا من المفاسد، وأما ما أمر به مما فيه تحقيق المصالح وجلب المنافع للناس فقيَّد فعله بالاستطاعة، بمعنى أن المكلف بالفعل يأتي منه ما يستطيع، وما لم يستطع فعله فإنه لا حرج عليه في تركه ولقد أكد الله تعالى ذلك في قوله {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَه} [2] ومن ثم فقد قرر علماء الأصول أنه لا تكليف مع العجز قال العلامة ابن القيم: '' لا واجب مع عجز، ولا حرام مع الضرورة '' [3] .
وأما قاعدة وأصل دفع المفسدة والمضرة وتقديمه على جلب المصلحة، فإن دلائله وشواهده من كتاب الله تعالى كثيرة، ومنها قوله تعالي {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِم} [4] ، ولذلك يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: '' أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع بثمنها، ولكن هذه
(1) ... صحيح مسلم بشرح النووى ج 15 كتاب الفضائل باب توقيره صلي الله عليه وسلم وترك سؤال عما لا ضرر فيه حديث 6606.
(2) ... سورة البقرة: الآية: 286.
(3) ... إعلام الموقعين ج 2 ص 329 باب إعادة الصلاة لمن صلي خلف الصف منفردًا توافق القياس.
(4) ... سورة البقرة: الآية: 219.