فهرس الكتاب
المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقه بالعقل والدين، ولهذا قال تعالى {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِم} '' [1] .
وأما الدليل من السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عائشة رضى اللهـ عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها [يا عائشة لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم] [2] ، الحديث، ويتضح من هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك بناء الكعبة وتجديدها على قواعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام السابقة وعلة ذلك درء المفسدة التي ستترتب علي هدم الكعبة من افتتان قريش بذلك، وهم قريبوا وحديثوا عهد بالشرك والكفر، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه المصلحة من البناء والتجديد خوف هذه الفتنة، وهذا من باب تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة، وفي ذلك يقول ابن القيم: '' لما فتح الله مكة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصارت دار إسلام، عزم - صلى الله عليه وسلم - علي تغيير البيت ورده علي قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك - مع القدرة عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر '' [3] .
هذا والمخالفات والمفاسد التي تقع وتوجد في المآتم عند إقامتها كثيرة ومنها: المظاهر التي يتظاهر بها الناس من الفخر والغرور والرياء والمباهاة بذلك أمام الناس ومنها التمييز بين الذين يأتون للعزاء في هذه المآتم وذلك أن ذوي هذه المآتم يفرقون بين هؤلاء المعزين في المجالس، فذوا الجاه والغنى يجلسون في أماكن وعلى كراسي خصصت لهم، والمغمورون من الناس الذين لا يعبأ بهم يجلسون في أماكن وعلى كراسي خصصت لهم، أدنى في المستوى من الأولى، ومنها ما يحدث في
(1) ... تفسير القرآن العظيم الجزء 1 صفحة 513 تحقيق عبد الرازق المهدي دار الكتاب العربي.
(2) ... البخاري بشرح فتح الباري ج 3 كتاب الحج باب فضل مكة وبنيانها حديث رقم 1586، ومسلم بشرح النووى ج 9 كتاب الحج باب نقض الكعبة وبناؤها حديث رقم 3230، 3231 وهو قريب من لفظ البخاري مع اختلاف طفيف.
(3) ... إعلام الموقعين لابن القيم 3/ 6 طبعة دار الحديث - القاهرة.