الصفحة 3 من 2724

المسائل الفقهية ولا يخفى أن علم الفقه بحر لا ساحل له واستنباط درر المسائل اللازمة منه لحل المشكلات يتوقف على مهارة علمية وملكة كلية على الخصوص مذهب السادة الحنفية لأنه قام فيه مجتهدون كثيرون متفاوتون في الطبقة ووقع فيه اختلافات كثيرة ومع ذلك فلم يحصل فيه تنقيح كما حصل في فقه الشافعية بل لم تزل مسائلة أشتاتا متشعبة فتمييز القول الصحيح بين تلك المسائل والأقوال المختلفة وتطبيق الحوادث عليها عسير جدا وما عدا ذلك فإنه يتبدل الأعصار تتبدل المسائل التي يلزم بناؤها على العادة والعرف مثلا: كان عند المتقدمين من الفقهاء إذا أراد أحد شراء دارا اكتفى برؤية بعض بيوتها وعند المتأخرين لا بد من رؤية كل بيت منها على حدته . وليس هذا الاختلاف مستندا إلى دليل بل هو ناشئ على اختلاف العرف والعادة في أمر الانشاء والبناء وذلك أن العادة قديما في إنشاء الدور وبنائها أن تكون جميع بيوتها متساوية على طراز واحد فكانت رؤية بعض البيوت على هذا تغني عن رؤية سائرها وأما في هذا العصر فلأن العادة جرت بأن تكون الدار الواحدة مختلفة في الشكل والقدر لزم عند البيع رؤية كل منها على الانفراد وفي الحقيقة فاللازم في هذه المسألة وأمثالها حصول علم كاف بالمبيع عند المشتري ومن ثم لم يكن الاختلاف الواقع في مثل المسألة المذكورة تغييرا للقاعدة الشرعية وإنما تغير الحكم فيها بتغير أحوال الزمان فقط ولفريق الاختلاف الزماني والاختلاف البرهاني الواقع هنا وتمييزها محوج إلى زيادة التدقيق وامعان النظر فلا جرم أن الإحاطة بالمسائل الفقهية وبلوغ النهاية في معرفتها أمر صعب جدا ولذا انتدبت طائفة من فقهاء العصر وفضلائه لتأليف كتب مطولة مثل كتاب الفتاوي والتاتارخانية والعالمكيرية المشهورة الان بالفتاوي الهندية ومع ذلك ومع ذلك فلم يقدروا على حصر جميع الفروع الفقهية والاختلافات المذهبية وفي الواقع أن كتب الفتاوي وهي عبارة عن مؤلفات حاوية لصور ما حصل تطبيقه من الحوادث على القواعد الفقهية وافتت به الفتاوي فيما مر من الزمان ولا شك أن الاحاطة بجميع الفتاوي التي أفتى بها علماء السادة الحنفية في العصور الماضية عسر للغاية ولهذا جمع ابن نجيم رحمه الله تعالى كثيرا من القواعد الفقهية والمسائل الكلية المندرج تحتها فروع الفقه ففتح بذلك بابا يسهل التوصل منه إلى الاحاطة بالمسائل ولكن لم يسمح الزمان بعده بعالم فقيه يحذو حذوه حتى يجعل أثره طريقا واسعا وأما الآن فقد ندر وجود المتبحرين في مراجعة الكتب الفقهية وقت الحاجة لحل الاشكالات فقد صار من الصعب أيضا وجود قضاة كافية للمحاكم الشرعية في الممالك المحروسة . بناء على ذلك لم يزل الأمل معلقا بتأليف كتاب في المعاملات الفقهية يكون مضبوطا سهل المأخذ عاريا من الاختلافات حاويا للأقوال المختارة سهل المطالعة على كل أحد لأنه إذا وجد كتاب على هذا الشكل حصل منه فائدة عظيمة عامة لكل من نواب الشرع ومن أعضاء المحاكم النظامية والمأمورين بالإدارة فيحصل لهم بمطالعته انتساب إلى الشرع وتتكون عندهم ملكة بحسب الوسع تمكنهم من التوفيق ما بين الدعاوي والشرع الشريف فيصبح هذا الكتاب معتبرا مرعي الاجراء في المحاكم الشرعية مغنيا عن وضع قانون لدعاوي الحقوق التي ترى في المحاكم النظامية وزمن أجل الحصول على هذا المأمول عقدت سابقا جمعية علمية في إدارة مجلس التنظيمات وحرر حينئذ كثير من المسائل ولكن لم تبرز إلى حيز الفعل فصدق مضمون قولهم أن الأمور مرهونة لأوقاتها حتى شاء الله تعالى بروزها في هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت