وقد صدر السوسي عن هذا التصور حينما اختار عنوان الشرح"الثريدة المناغية للعصيدة"فسماه ثريدة تشبيها له بتلك الأكلة البسيطة ( [40] ) ، ووجه الشبه كون الشرح بسيطا مثلها لم يتسم بالغنى والتنوع وإنما اكتفى بمداعبة القصيدة مقتصرا على تفسير الغريب وإبراز المعنى دون التطرق للمباحث المنوعة والأدبيات الرائقة. وتبعا لذلك ركز السوسي على جانبين هما:
1)تفسير الغريب: أي المفردات قليلة الاستعمال التي لا يعرفها إلا ذوو البصر باللغة ، وقد اهتم بها علماء اللغة واستخرجوها من القرآن والحديث ( [41] ) . وكان عمل كثير منهم في الشروح الشعرية مقصورا على هذا الجانب ، وإن اختلفت طرق التفسير ما بين من يفسر اللفظ بلفظ مرادف أو من يفسره بالاستعمال متتبعا تطور اللفظة عبر الزمن أو من يقتصر في اللفظ على استعمال الشاعر وقد سار السوسي على هذا النهج منسجما مع الهدف الذي وضعه أولا في تبسيط المادة العلمية للطالب الذي ألف الشرح لأجله ؛وإن تفاوت اهتمامه بالكلمات فتارة يطيل وتارة يختصر فيبدأ بعرض بيت الشعر ثم يتبعه بالشرح منتقيا الألفاظ التي يراها غامضة لا يستطيع من ألف له الشرح فهمها مشيرا أحيانا إلى ما في استعمال الألفاظ من مجاز يخرجها من دائرة المعجم إلى مجال البلاغة مثل قوله في شرح لفظة"عبق"في البيت التالي:
"وقد فَعَمَت منها الخياشيم نكهة"
تطيب بها كل النواحي وتعبق
فغمه الطيب كمنع فغما وفغوما:سد خياشيمه، والخياشيم جمع خيشوم وهو ما في أقصى أنفه، والنكهة بالفتح: ريح الفم خاصة والمقصود هنا مطلق الرائحة مجازا مرسلا. وعبق به الطيب كفرح عبقا وعبقانة وعباقية لزق به، ورجل عبق إذا تطيب بأدنى طيب لم يذهب عنه أياما. هذا نص كلامهم ويستعمل أيضا عبق بمعنى فاح وهو المقصود هنا فيكون فيه نوع من المجاز." ( [42] ) "