{المعنى} أول ما أصنعه بعد أن أتحصن باسم الله أنني أحفر كِفاحًا من أول وهلة حفرة في جانب الجفنة وأوسعها حتى تكون كحوض الماء أو تكون أعمق من الحوض ، وهذا مما يدل على شدة نهم هذا الأكول بهيئته للجدح بادئ ذي بدء . ولا يصنع ذلك إلا من كان يريد المبادرة الى ما يملأ البطن من ملتوت العصيدة ، وإلا فإن العادة جرت بأن يتناول الأكول أولا لقما يغمسها في الزبدة حتى يتأتى له محل يصب فيه اللبن هذا هو المعتاد عند الذين يتناولون بتؤدة، وأما صاحبنا فقد حدف الوسائط وألقى المقدمات واقتضب في قصيدة أكله فبادر الى المقصود توا والنهم يعمي ويصم قال سيدي إبراهيم الظريف الصوابي ( [82] ) :
دعوني من التشبيب بالدار والحمى
وبالخد والثغر الذي يتبسم
فقصدي الأهم مدح أعظم سيِّد
يسود الورى،إن الأهم المقدم
أكون إذا وفيت حق مديحه
كمن قال في التشبيب ما كان يعلم
ثم قال:
وأجعل فيها يمنة ثم يسرة
سدودا صحاحا عاليات توثق
اليمنة بالفتح جهة اليمين واليسرة جهة اليسار والسُّد بفتح السين وضمها الحاجز بين شيئين وتوثيق البناء ومثله تمكينه وتوطيده وصحاح كجبال جمع صحيح .
{المعنى} إنني بعد أن أحفر تلك الحفرة العميقة في طرف الجفنة أضع لها عن يمين وشمال سدودا وحواجز تمنع من تسرب اللبن وهذه السدود أجعلها عالية وثيقة مكينة فكانت هذه الحفرة التي يحفرا موصوفة بكونها موسعة وبكونها عميقة وبكونها ذات سدود ثم هذه السدود أيضا تكون صحيحة وثيقة عالية ولعمري إن مثل هذا السد الهائل العجيب لو كان على وادي مأرب لما اندك بالسيل العرم المذكور في القرآن . ثم قال:
فأملأها محضا فأجدح مثل ما ( [83] )
يهيئ طينا مشمعل محذق