{المعنى} إن تينك اليدين اللتين أتناول بهما تأتيان إلى الفم وتمضيان عنه تختلفان علوا وانحدارا ما بين الفم والجفنة ، كما تكون الدلاء إن كانت تختلف إلى البير طلوعا ونزولا تطلع إحداهما في حين أن الأخرى هابطة وِلاءً ، فيتدفق بسببهما في وسط الحلق ما تصبانه في الفم . ومعنى الشطر الأول من هذا البيت كان تقدم في بيت: إذن يبتدئ التجديف ..الخ . ويحمل ما هناك على ذكر الإسراع في أخذ اللقم ويحمل ما هنا على تصوير ذلك تصويرا آخر ، بتشبيه ( [89] ) اليدين اللتين تختلفان بين الفم والجفنة بالدلوين اللتين تختلفان في البير طلوعا وهبوطا على التوالي ويفرق أيضا بينهما بما رتبه الشاعر على ذلك في هذا البيت من تدفق السيل في وسط الحلق بهذا الفعل المتتابع المتسلسل . وإنما حاولنا الفرق بين معنى البيتين لئلا يرد علينا تكرار معنى واحد في موضوع واحد من غير أن يكون ما ذكر ثانيا أبلغ في الموضوع من الأول كما ينتقد على من يشبه محبوبه أولا بالشمس ثم شبهه ثانيا في الموضوع نفسه في ذلك المعنى نفسه بالفجر وهو انتقاد وجيه ولعل ما هنا مع ما ذكرناه يتفصَّى عن هذا الانتقاد. ثم قال:
وللشدق صوت كلّما صب وسطه
كما يجد المخنوق رَوْحا فيصعق
الشدق كحمل وفلس جانب الفم من باطن الخد وجمعه أشداق . والروح بالفتح الراحة، وصعق كفرح أرسل صيحة شديدة ومن ذلك لفظة الصاعقة .
{المعنى } إن لشدق فمي كلما صبت فيه إحدى الكفين ما حملت من ملتوت العصيدة صوتا شديدا كصوت من كان يخنق ثم يحس بانفراج من أصابع الذي يخنقه فيرسل بسرعة صيحة يستفرغ فيها جهده لعلها تأتيه بمن يغيثه ويفكه من خانقه . ثم قال:
إذا ارتفعت مدّت ذُنَابى كأنما
تمدَّد ذَيْل حين يُوضِع أبلَق