فهرس الكتاب
وردت هذه المناقشة: بأن إلحاق المصالح المرسلة بالمعتبرة ترجيح بلا مرجح ، ثم الأصل هو الإلغاء للمصالح المرسلة ، لأن الأصل في الأشياء أن لا تكون دليلا ولا حجة ، فمن قال بخلاف الأصل فقال بكونها حجة طلب منه الدليل ، فالأصل هو إلغاء حجية الأمور المستدل بها حتى تثبت حجيتها بالأدلة ، والأصل لا يطلب الدليل عليه ، فكان الأصل هو إلغاء المصالح المرسلة .
الدليل الخامس: أنه إذا لم يفتح باب الاعتماد على المصالح المرسلة جمد التشريع الإسلامي ووقف عن مسايرة الأزمان والبيئات .
وأجيب:
أ - أن هناك وسائل أخرى سلكتها الشريعة لتنظيم أحوال البشر باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات ، مثل القواعد العامة ووسائل تطبيقها ، فيأتي المجتهد فيجتهد في تطبيقها على الوقائع الحادثة .
ب - أن هذا الاستدلال معارض بما هو مثله فيقال: أن بناء الأحكام على المصالح المرسلة ، يفتح بابا للطعن في الشريعة بكونها من وضع البشر ، وفيها نسبة للشريعة بالنقص .
الدليل السادس: أن الصحابة - رضي الله عنهم - ومنهم الخلفاء الراشدون عملوا بالاستصلاح فيما طرأ لهم من حوادث لم يكن فيها حكم من قبل ، وليس لها نظير فتقاس عليه ، فحكموا فيها بأحكام مبنية على مصالح لم يقم دليل معين على اعتبارها فدل ذلك على أن الاستصلاح حجة .
ومن تلك القضايا:
أ - جمع أبي بكر - رضي الله عنه - القرآن (1) ، لكن هذا المثال فيه نظر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بكتابة القران وبحفظه ، والجمع في مصحف واحد من باب الكتابة والحفظ ، فهذا نوع من الحفظ فله أصل معين فلا يصح الاستدلال به هنا .
(1) رواه البخاري ، (9 / 10) كتاب فضائل القرآن: باب جمع القرآن ، والترمذي برقم (3102) كتاب التفسير: باب ومن سورة التوبة.