فهرس الكتاب
وكون الشارع اعتبرها بالجملة لا يعني أنه عرف من الشرع المحافظة على ذلك بكل حكم يكون طريقا من طرق المحافظة على المصلحة ، فإنه لم يعرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق ، ولذلك لم يشرع المثلة وإن كانت أبلغ في الردع والزجر ، ولم يشرع القتل في السرقة ، فإذا ثبت حكما لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم ، كان وضعا للشرع بالرأي وحكما بالعقل المجرد (1) .
وأجيب:
أ - بأن الشارع حافظ على كل واحدة من المصالح بالأحكام المناسبة لحفظها ، لا بكل حكم يكون طريقا من طرق المحافظة عليها دون نظر للأنسب ، والمجتهد في الاستصلاح مأمور ببذل جهده في اختيار الحكم الأنسب لحفظ المصلحة ، وهي وظيفة منحها الله إياه وجعل تأديته لها على الوجه المطلوب أمانة في عنقه ، فلا نسلبها منه بحجة أنه لم يعرف من الشارع أنه حافظ على كل واحدة من المصالح بكل حكم يكون طريقا من طرق المحافظة عليها .
ب - أن الأحكام المبنية على هذه المصالح من قبيل التعزيرات لا من قبيل الحدود ، والتعزيرات لا مانع من تغييرها بتغير البيئات والأحوال والأمكنة والأزمنة حفاظا على المصلحة ، أما الحدود فلا تتغير ، وإذا كان كذلك بطل ما أثاروه .
الدليل التاسع: أنه لو جاز الاستصلاح لما احتجنا إلى بعثة الرسل .
الدليل العاشر: أن جواز الاستصلاح يترتب عليه مفاسد كثيرة من وضع الشرع بالرأي ، ومساواة العامي للعالم في ذلك ؛ لأن كل واحد يعرف مصلحته ، ونسبة النقص إلى النصوص .
فإذا عملنا بالاستصلاح وجعلناه دليلا شرعيا ، فإن مما يدل عليه عدم الاحتجاج بالاستصلاح ذاته لما يترتب عليه من أضرار .
وهذا استدلال ضعيف ؛ لأنه احتجاج بالاستصلاح على عدم حجيته .
(1) روضة الناظر ، ص 170.