الصفحة 2 من 33

ولي الأمر فيما لا يخالف النصوص الشرعية أمرٌ دل عليه النص الشرعي كذلك، بالإضافة إلى أن عملية التقنين عند من يرى جوازها ما هي إلا إلزامٌ بأحكامٍ مستمدةٍ من نصوص الشريعة، وهذا يعني أن كلا الفريقين يدور مع النص حيث دار، وهذا يقتضي بالضرورة بيان وجهتي نظر يقول بها العلماء المعتبرون:

الأولى: رأي من يعارض تقنين الأحكام الشرعية، لما يرى فيه من افتئاتٍ على النص الشرعي الذي تعبدنا الله بتلاوته وفهمه وتدبره والعمل به، حيث يرى أن التقنين يحجر على المسلمين واسعًا فبدلًا من أن يحتكم المسلمون لنصوص الشريعة الرحبة تجدهم يقيدون أنفسهم بنصوصٍ مقيدةٍ ضيقةٍ وضعوها واحتكموا إليها، ولا يقل عن ذلك أهميةً الاجتهاد المتعلق به لاستنباط الأحكام منه من خلال وجوه استنباط الأحكام، واستثمار جميع ما في النص من طاقاتٍ لا تحصر، واستبدال هذا النص الرباني بنصٍ بشريٍ حيث سيصبح - بعد التقنين - هو المرجع في استخراج الحكم وليس النص الشرعي، وسيكون جهد القاضي منصبًا على استنباط الحكم من هذا النص وترك النص الشرعي، مع أن الاجتهاد المطلوب من القاضي هو اجتهادٌ في دائرة النص الشرعي، فما الحكم الشرعي في اجتهاد القاضي إذا كان منصبًا على فهم هذا النص القانوني؟ وما الحكم اذا كان هذا الحكم مخالفًا لقناعة القاضي المبنية على نظره في الأدلة الشرعية، مع أن القاضي مطالبٌ بالحكم بالحق.

الثانية: رأي من يبيح تقنين الأحكام الشرعية بل يراه ضرورةً ملحةً، قد تصل للوجوب أحيانًا، لأن ظروف الحياة قد تعقدت وتشعبت، وقد نشأت علاقاتٌ جديدةٌ على المستوى الداخلي للدول وعلى المستوى الخارجي - أيضًا-، وكان من ضرورات ذلك وضع اجتهاداتٍ فقهيةٍ ملزمةٍ مستمدةٍ من النصوص الشرعية، تصاغ على شكل مواد قانونيةٍ لتعالج مختلف قضايا الحياة بتفاصيلها الدقيقة في هدي تلك النصوص، وهذه الأحكام (المواد القانونية) ليست خروجًا على النص الشرعي، بل هي اجتهاداتٌ في دائرة النص الشرعي، لأن نصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها هي المرجع لهذا التقنين، حيث أنها مستنبطةٌ من النصوص الشرعية، ومن خلال مناهج الاستنباط المقررة في علم أصول الفقه، أو بمعنى أوسع استمداد الأحكام من خلال الرجوع لمبادئ الشريعة فيما فيه نصٌ ومما لا نص فيه، فالنصوص الشرعية تمثل مناراتٍ لهذا التقنين لا يتجاوزها ولا يحيد عنها، فعملية التقنين لا تعدو عن كونها أحدى الإجراءات أو الوسائل أو التدابير التي تتخذها الدولة لجلب مصلحةٍ شرعيةٍ تريد تحقيقها من هذا التقنين، أو درء مفسدةٍ واقعةٍ أو متوقعةٍ، ويصبح التقنين في هذه الحالة إلزام بأحكامٍ شرعيةٍ تمت صياغتها بقالبٍ قانونيٍ؛-أي على شكل مواد قانونيةٍ-، إذ تكون عملية التقنين منسجمةً مع نصوص الشريعة ومقاصدها ابتداءً من وضع هذه الأحكام وانتهاءً بالحكم بمقتضاها، أي أنَّ هذه النصوص القانونية تابعةٌ لنصوص الشريعة ومقاصدها، وليس العكس، وهي بالتالي لا تتعارض مع مبدأ السيادة للشرع لأن الشريعة هي مصدر تلك الأحكام، وهي تدخل في باب السياسة الشرعية، ومدار السياسة الشرعية على جلب المصالح، ودرء المفاسد، فهذا الرأي يجيز تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في جميع المجالات وفي كل المسائل التي تعرض على القضاء سواءً أكان ذلك في المعاملات المالية أم في الأنكحة أم في العقوبات أم في غيرها ما دامت تتخذ من النص الشرعي هاديًا ومرجعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت