فهرس الكتاب
رابعًا: لقد جاء في الحديث القدسي""يقول الله عز وجل: العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار"" (1) . فما بال كثير من المنتسبين للعلم اليوم يتبارون في مظاهر العظمة والأبهة ، ويعللون ذلك بأنه إظهار لعزة الدين وأهله ، وكأن الإسلام الذي هو دين الله والمحفوظ بوعد من الله جل شأنه مرتبط بالأشخاص ، إن ديننا فوق النماذج وفوق الأشخاص .
لمَ لا يتذكر هؤلاء الناس كيف دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة المكرمة فاتحًا منصورًا ، إنه موقف يستحق أن يكتب بالأبر على مآقي البصر ليكون عبرة لمن يعتبر ، فها هو الفاتح المكرم يدخل ومعه آلاف من الأطهار والقديسين - كما جاء في التوراه (2) - عن يمينه ويساره وبين يديه، ولقد عبّر عن هذا المظهر العظيم أبو سفيان حين رأى الكتيبة الخضراء، فقال للعباس رضي الله عنه: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ، لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا . فرد عليه العباس ردًا حاسمًا: إنها النبوة ! .
نعم ليس مُلْكًا ولا مَلِكًا فقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - خاشعًا متخشعًا يترنم بسورة الفتح، وإن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل من التذلل والتواضع لوجه الله عز وجل . وقد اقترب منه رجل يريد أن يسأله فارتعدت فرائصه، فقال له: يا أخي إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة .
(1) الحديث رواه أبو هريرة وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 249 / 6 . و الطيالسي في مسنده 477 / 6 .
(2) سفر التثنية 33: 1 - 4 .