فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 41

عاشرًا: لا بد من القول بأن الحالة السلبية التي يتردى فيها بعض أهل العلم أو المنتسبين إليه بالإضافة إلى كونها نتيجة للدنيوية المعششة في القلوب، هي أيضًا انعكاس للحالة الأخلاقية العامة التي تسود المجتمع اليوم، وفيها انحطاط شديد لقيمة الإنسان وإنسانيته وكرامته وحريته ، فالملاحظ من خلال التعامل الاجتماعي أن المعيار اليوم في التعامل بين المسلمين ليس هو جوهر الإنسانية، وإنما هو اعتبارات ثانوية أخذت محل الصدارة والأولوية، فالإنسان يُكرَّم اليوم ويُحترم لمنصبه أو جاهه أو شهادته أو ثرائه، أما هويته الحقيقية وهي الإنسانية فمُغيَّبة جدًا ومُهدَرة جدًا ، وسأضرب مثلًا من الواقع: كان لي مريض في المشفى فذهبت لزيارته فمنعني البواب، قال لي ممنوع الدخول لأنه ليس الآن وقت الزيارة، فقلت ولكن انظر إن الناس يدخلون ويخرجون بكثرة، قال لي لا شأن لك ، فقلت لا بد من الدخول أو تطبق النظام على كل الناس، وكان كثير من الداخلين قد عرف طريقة الدخول وهي خمسة وعشرون ليرة تُدسُّ في جيب البواب بلطف ، ارتفع صوتنا وحضر الشرطي وأدخلنا عنده ليحل المشكلة ، وكان هناك شخص يعرفني فقال لي:"أهلين دكتور"ففوجئ البواب وقال لي:"أنت دكتور؟ مو باين عليك !!"وكان هناك اتفاق بين كل الحاضرين في جلسة الصلح - وكانوا كثرة - أن الحق عليّ ، وأنني المخطئ، لأنني كان يجب أن أُعرِّفه على نفسي"كدكتور"وعندئذ سأدخل بدون خمسة وعشرين، وبدون صعوبات، يعني أن الدكتوراه تساوي خمسة وعشرين ليرة ، لكن ليست هذه هي المشكلة ، وإنما المشكلة في الحادثة وهي نموذج يتكرر ملايين المرات في كل الدوائر الحكومية وغير الحكومية ، المشكلة أن الإنسان لا يُعرّف بهويته الحقيقية وهي"الإنسانية""أنا إنسان"أنا ابن آدم"لا بل: أنا دكتور ، أنا عضو في مجلس الشعب ، أنا محامي أنا مهندس أنا فلان أو ابن فلان ... أما الفقير الذي لا يملك شيئًا من هذه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت