* ثم اعلم أنه لا يكون من شهد أن لا إله إلا الله مؤمنا حتى يشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع التزامه فيها بجميع الشروط التي قدمناها مع أدلتها من الكتاب والسنة والتي فرقت بين هاتين الشهادتين وبين شروطها المذكورة منطوقا ومفهوما
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله وسلم تصديقه في جميع ما أخبر به عن ربه عز وجل من أنباء ما قد سلف و أخبار ما سيأتي, و في ما أحل من حلال وحرم من حرام ,تصديقا جازما بيقين صادق لا شكوك تداخله ولا أوهام , والامتثال و الانقياد لما أمر به من شرائع الإسلام ,والكف والانتهاء عما نهى عنه من المحارم والأسقام , و اتباع شريعته والتزام سنته في السر والجهر مع الرضا بما قضاه والاستسلام , وذلك لأنا إذا علمنا وتيقنا أنه رسول من عند الله عز وجل علمنا وتيقنا أن أمره ونهيه وجميع شرعه إنما هو تبليغ منه لما أمر به الله ونهى عنه وشرعه ولهذا قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) , وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) , وقال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) , وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي من طاعة الله ومعصيته معصية لله واتباعه هو اتباع محاب الله ومرضاته وموجبات مغفرته ورحمته وتحكيمه هو تحكيم ما أنزل الله وكراهية حكمه كراهية حكم الله عز وجل , فهو صلى الله عليه وسلم لم يأمر إلا بما أمر الله به , ولم ينهى إلا عما نهى الله عنه , و لم يشرع إلا بأمر من الله , و لم يحكم إلا بما أراد الله عز وجل ولهذا قال تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) , وقال تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا و ما على الرسول إلا البلاغ المبين) , وقال تعالى: (قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا, إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) , و قال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) , فهو صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد , ورسول لا يكذب , بل يطاع ويتبع فنشهد أنه عبد الله ورسوله , شرفه الله بالعبودية ونوه بوصفه بها في أشرف مقاماته , فقال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) , وقال تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) وقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) , وقال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) إلى غير ذلك , وقد شهد تعالى بالرسالة فقال: (والله يعلم إنك لرسوله) , وقال تعالى: (محمد رسول الله) , وقال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) , وقال تعالى: (رسولا منهم يتلو عليهم آياته) , وقال تعالى: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون , الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) .
ونشهد بعموم رسالته إلى الناس جميعا جنهم وإنسهم , قال الله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) , وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» , و قد أخذ الله عز وجل ميثاق النبيين على الإيمان به فقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) , ونشهد أن كل عامل بعد بعثته على خلاف ما بعث به صلى الله عليه وسلم لن يقبل منه مثقال ذرة ولو