بتتبعي لكلام ابن خلدون وجدته قد نحا منحي طريفا وذكيا. ذلك أنه أراد أن يميز مرتبة العالم عن الجاهل والعامي. فرأي أن بعض المدارك قد يستوي فيها العالم والعامي. ومع ذلك يبقي العامي. عاميا, لايرقي إذا علم بعض القضايا إلى رتبة العالم. فقال: (إن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه, إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكه لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي. لأنانجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها, مشتركا بين من شدا في ذلك الفن, وبين من هو مبتديء فيه; وبين العامي الذي لم يحصل علما, وبين العالم النحرير. والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون سواهما فدل أن هذه الملكة غير الفهم والوعي.(المقدمة ص 770/771) .
إنه حسب هذا التحليل يتبين لنا: أن العلم عبارة عن الملكة الراسخة في النفس, الحاصلة من الإحاطة بمباديء العلم وقواعده وتتبع مسائله والمنتهية إلى التمكن من استنباط الفروع من الأصول, والتصرف الواعي في الحصول الذهني. فالعلم بهذا هو تجاوز التقليد إلى الاجتهاد. وأن العلم كما يضاد الجهل هو مضاد للتقليد أيضا. يؤيد هذا أنا نجد القرآن كما يعمل على رفع جهل الجاهلين, هو يعمل على إيقاظ المقلدين, لينزعوا عن عقولهم غشاوة التقليد حتي يكونوا جديرين بشرف الإنسانية التي خصها الله بالعلم.