ولما كانت الدعوة الإسلامية دعوة عامة إلى الناس جميعا, شاملة لكل ما يباشره الإنسان في حياته الدنيا وما يؤول إليه أمره في حياته الآخرة, فإنه من لوازم الشطر الأول (العموم) أنها اصطدمت بما رسخ في كثير من عقول البشر مما آمنوا به وأجروا عليه حياتهم وأقاموا عليه علاقاتهم الاجتماعية مما اعتبروه من القضايا اليقينية التى أطمأنوا إليها وأنسوا بها. فاقتضي ذلك أن يوقظ في الإنسان ما خمد من تفكيره, وما ران على عقله من جمود وتقليد, وأن يعلن أن المبدأ الأول: هو أن كل قضية من القضايا التي ترد على عقل الإنسان يجب أن تكون خاضعة للعمل العقلي, وأن ما أقر العقل ثبوته هو علم ثابت, وأن ما رفضه العقل هو وهم ساقط. وبذلك حرر الإنسان من أوهام استعبدته واستبدت به, وأعاد إليه كرامته, ومع ذلك فانه بهذا يكون قد رمي به في بحرالكون العميق الممتد الأبعاد, يؤمنه في خوض غماره الوحي والعقل. وباعتماده العقل في كل ما يمكن أن يدخل في مجاله تحقق للدين الإسلامي نظريا ما قام عليه من العموم, باعتبار أن العقل هو القدر المشترك بين البشر. وأن من فقد القدرة العاقلة انحطت مرتبته. وان كان يتحتم تكريمه فإنما ذلك لأنه حسب أصله عاقل.
وأما الشطر الثاني (الشمول) فان الإسلام ينظر في كل علاقة تحصل بين الفرد وبين الآخر, إنسانا كان هذا الآخر أو حيوانا أو جمادا. وسواء أكانت هذه العلاقة فعلا أو إدراكا. ينطلق هذا الشمول من العقيدة الواضحة أن الله رب الكون وأن الإنسان مستخلف فيه. فالانسان مرتبط بالله خلقا ومعادا, ومرتبط بالكون تأثيرا وتأثرا.
إن الارتباط بين الكون والإنسان العاقل يقوم على أساس المعرفة أولا ثم الفعل ثانيا. لذلك اهتم الإسلام بالمعرفة وخط لها منهجا فريدا هو منهجه الذي تميز به.
ويتألف هذا المنهج من الحقائق التالية: