وَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ:
(474) إِنَّ أَمْرَ قُبْرُسَ كَأَمْرِ عَرْبَ سُوسَ، فَإِنَّ فِيهَا قُدْوَةً حَسَنَةً وَسُنَّةً مُتَّبَعَةً، فَإِنْ صَارَتْ قُبْرُسُ لِعَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ عَرْبَ سُوسُ، فَإِنَّ تَرْكَهَا عَلَى حَالِهَا وَالصَّبْرَ عَلَى مَا كَانَ فِيهَا، لِمَا فِي ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ جَزَيْتِهَا وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِمَّا فِيهَا أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمَانُهَا وَتَرْكُهَا لِذَلِكَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ عَهْدٍ بِمِثْلِ مَنْزِلَتِهِمْ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ إِلَّا وَمِثْلُ ذَلِكَ يُتَّقَى مِنْهُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكُلُّ أَهْلِ عَهْدٍ لَمْ يُقَاتِلِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَتَمْضِ أَحْكَامُهُمْ فِيهِمْ، فَلَيْسُوا بِذِمَّةٍ، وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ فِدْيَةٍ، يُكَفُّ عَنْهُمْ مَا كَفُّوا، وَيُوَفَّى لَهُمْ بِعدِهِمْ مَا وَفَّوْا، وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ عَفْوُهُمْ مَا أَدَّوْا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ تَقِيَّةٍ يَتَّقُونَهَا مِنْهُمْ أَوْ ضَعْفٍ عَنْ مُحَارَبَتِهِمْ، أَوْ شُغْلٍ عَنْهُمْ بِغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُصَالِحَ أَحَدًا مِنَ الْعَدُوِّ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ مُضْطَرِينَ إِلَى صُلْحِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُمْ يَكُونُونَ أَغْنِيَاءَ أَعِزَّاءَ فِي صُلْحِهِمْ، لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ ذِلَّةٌ وَلَا صَغَارٌ.