لا غَناء عنده عنِّي؟ فسَبيلي أَن أُقْبِلَ على بُكائي ولا أُعَوِّلَ في بَرْد غَلِيلي على ما لا غَناء عنده، وأَدخل الفاء في قوله فهل لتربط آخر الكلام بأَوّله، فكأَنه قال إذا كان شِفائي إِنما هو في فَيْض دمعي فسَبِيلي أَن لا أُعَوِّل على رَسمٍ دارسٍ في دَفْع حُزْني، وينبغي أَن آخذ في البكاء الذي هو سبب الشّفاء، والمذهب الآخر أَن يكون مُعَوَّل مصدر عَوَّلت بمعنى أَعْوَلْت أَي بكَيْت، فيكون معناه: فهل عند رَسْم دارس من إِعْوالٍ وبكاء، وعلى أَي الأَمرين حمَلْتَ المُعوَّلَ فدخولُ الفاء على هل حَسَنٌ جميل، أَما إذا جَعَلْت المُعَوَّل بمعنى العويل والإِعوال أَي البكاء فكأَنه قال: إِن شفائي أَن أَسْفَحَ، ثم خاطب نفسه أَو صاحبَيْه فقال: إذا كان الأَمر على ما قدّمته من أَن في البكاء شِفاءَ وَجْدِي فهل من بكاءٍ أَشْفي به غَليلي؟ فهذا ظاهره استفهام لنفسه، ومعناه التحضيض لها على البكاء كما تقول: أَحْسَنْتَ إِليَّ فهل أَشْكُرُك أَي فلأَشْكُرَنَّك، وقد زُرْتَني فهل أُكافئك أَي فلأُكافِئَنَّك، وإِذا خاطب صاحبيه فكأَنه قال: قد عَرَّفْتُكما ما سببُ شِفائي، وهو البكاء والإِعْوال، فهل تُعْوِلان وتَبْكيان معي لأُشْفَى ببكائكما؟ وهذا التفسير على قول من قال: إِن مُعَوَّل بمنزلة إِعْوال، والفاء عقدت آخر الكلام بأَوله، فكأَنه قال: إذا كنتما قد عَرَفتما ما أُوثِرُه من البكاء فابكيا وأَعْوِلا معي وإِذا استَفْهم نفسه فكأَنه قال: إذا كنتُ قد علمتُ أَن في الإِعْوال راحةً لي فلا عُذْرَ لي في ترك البكاء [1]
وفي حديث بيع الرُّطَب بالتمر قال: أَيَنْقُص الرُّطَب إذا يَبِس؟ قالوا: نعم، لفظُه استفهام ومعناه تنبيهٌ وتقرير لِكُنْهِ الحُكْم وعلَّته ليكون معتبرًا في نظائره، وإِلا فلا يجوز أَن يخفى مثل هذا على النبي، صلّى اللّه عليه وسلّم، كقوله تعالى: أَلَيْسَ اللّهُ بكافٍ عَبْدَه؛ وقول جرير: أَلَسْتُم خيرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا [2]
18.الإشارة
(1) (( (( لسان العرب(عول) .
(2) (( (( لسان العرب(نقص) .