الصفحة 154 من 214

واللّه

أَعلم [1]

قول أَبي بكر، رضي الله عنه، في حديث الشَّفاعةِ: إنما نحن حَفْنَةٌ من حَفَناتِ الله؛ أَراد إنَّا على كَثرتِنا قليلٌ يوم القيامة عند الله كالحَفْنةِ أَي يسير بالإضافة إلى مُلْكِه ورحمته، وهي مِلْءُ الكَفِّ على جهة المجاز والتمثيل، تعالى الله عز وجل عن التشبيه؛ وهو كالحديث الآخر: حَثْية من حَثَياتِ رَبِّنا [2]

وقوله تعالى: حتى يتَبَيَّنَ لكم الخيْطُ الأَبيضُ من الخيطِ الأَسودِ من الفجر؛ يعني بياضَ الصبحِ وسوادَ الليل، وهو على التشبيه بالخَيْطِ لدِقَّته [3]

وتَرَحَّم عليه: دعا له بالرَّحْمَةِ. واسْتَرْحَمه: سأَله الرَّحْمةَ، ورجل مَرْحومٌ ومُرَحَّمٌ

شدّد للمبالغة. وقوله تعالى: وأَدْخلناه في رَحْمتنا؛ قال ابن جني: هذا مجاز وفيه من الأَوصاف ثلاثة: السَّعَةُ والتشبيه والتوكيد، أَما السَّعَةُ فلأَنه كأَنه زاد في أَسماء الجهات والمحالّ اسم

هو الرَّحْمةُ، وأَما التشبيه فلأنه شَبَّه الرَّحْمةَ وإِن لم يصح الدخول فيها بما يجوز الدخول فيه فلذلك وضعها موضعه، وأَما التوكيد فلأَنه أَخبر عن العَرَضِ بما يخبر به عن الجَوْهر، وهذا تَغالٍ بالعَرَضِ وتفخيم منه إذا صُيِّرَ إِلى حَيّز ما يشاهَدُ ويُلْمَسُ ويعاين، أَلا ترى إِلى قول بعضهم في الترغيب في الجميل: ولو رأَيتم المعروف رجلًا لرأَيتموه حسنًا جميلًا؟ كقول الشاعر:

ولم أَرَ كالمَعْرُوفِ، أَمّا مَذاقُهُ ... فحُلْوٌ، وأَما وَجْهه فجميل

فجعل له مذاقًا وجَوْهَرًا، وهذا إِنما يكون في الجواهر، وإِنما يُرَغِّبُ فيه وينبه عليه ويُعَظِّمُ من قدره بأَن يُصَوِّرَهُ في النفس على أَشرف أَحواله وأَنْوَه صفاته، وذلك بأَن يتخير شخصًا مجسَّمًا لا عَرَضًا متوهَّمًا [4]

قوله كلَّ جُمالِيٍّ عَضِه؛ أَراد كل جُماليَّةٍ ولا يَعْني به الجملَ لأَن الجمل لا يضاف إِلى نفسه، وإِنما يقال في الناقة جُمالِيَّة تشبيهًا لها بالجمل كما قال ذو الرمة:

جُمالِيَّةٌ حَرْفٌ سِنادٌ يَشُلُّها

(1) (( (( لسان العرب(ثوب) .

(2) (( (( لسان العرب(حفن) .

(3) (( (( لسان العرب(خيط) .

(4) (( (( لسان العرب(رحم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت