ولكنه ذكَّره على لفظ كل فقال: كلَّ جُمالِيٍّ عضه. قال الفارسي: هذا من معكوس التشبيه، إِنما يقال في الناقةِ جُماليَّة تشبيهًا لها بالجمل لشدّته وصلابته وفضله في ذلك على الناقة، ولكنهم ربما عكسوا فجعلوا المشبه به مشبهًا والمشبه مشبهًا به، وذلك لِما يريدون من استحكام الأَمر في الشَّبَه، فهم يقولون للناقةِ جُمالِيَّةٌ، ثم يُشْعِرُونَ باستحكام الشَّبَهِ فيقولون للذكر جُمالِيٌّ، ينسبونه إِلى الناقة الجُماليَّة، وله نظائر في كلام العرب وكلام سيبويه؛ أَما كلام العرب فكقول ذي الرمة:
ورَمْلٍ كأَوْراكِ النساءِ اعْتَسَفْتُه، ... إِذا لَبَّدَتْهُ السارياتُ الرَّكائِكُ
فشبه الرمل بأَوراك النساء والمعتاد عكس ذلك، وأَما من كلام سيبويه فكقوله في باب اسم الفاعل: وقالوا هو الضاربُ الرجلَ كما قالوا الحَسَنُ الوَجْهَ، قال: ثم دار فقال وقالوا هو الحَسَنُ الوَجْهَ كما قالوا الضاربُ الرجلَ [1]
والعرب تسمي الناقةَ السوداءَ عُقابًا، على التشبيه [2]
وفاحت القِدْرُ تَفِيحُ وتَفُوحُ إذا غَلَتْ، وقد أَخرجه مَخْرَجَ التشبيه أَي كأَنه نار جهنم في حرِّها [3]
وقوله تعالى: واسأَل القرية التي كنّا فيها؛ قال سيبويه: إِنما جاء على اتساع الكلام والاختصار، وإنما يريد أَهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملًا في الأَهل لو كان ههنا؛ قال ابن جني: في هذا ثلاثة معانٍ: الاتساع والتشبيه والتوكيد، وأَما الاتساع فإِنه استعمل لفظ السؤال مع ما لا يصح في الحقيقة سؤاله، أَلا تراك تقول وكم من قرية مسؤولة وتقول القرى وتسآلك كقولك أَنت وشانُك فهذا ونحوه اتساع، وأَما التشبيه فلأَنها شبهت بمن يصح سؤاله لما كان بها ومؤالفًا لها، وأَما التوكيد فلأَنه في ظاهر اللفظ إِحالة بالسؤال على من ليس من عادته الإِجابة، فكأَنهم تضمنوا لأَبيهم، عليه السلام، أَنه إِن سأَل الجمادات والجِمال أَنبأَته بصحة قولهم، وهذا تَناهٍ في تصحيح الخبر أي لو سأَلتها لأَنطقها الله بصدقنا فكيف لو سأَلت ممن عادته الجواب؟ [4]
(1) (( (( لسان العرب(عضه) .
(2) (( (( لسان العرب(عقب) .
(3) (( (( لسان العرب(فيح) .
(4) (( (( لسان العرب(قرا) .