الأسدَ لأَن الأَسد معروف أَنه المَخُوف، وقال أَبو إسحق: ضرب الله لهم هذا المثل وشبههم بالغنم المَنْعُوق بما لا يسمع منه إلا الصوت، فالمعنى مَثَلُك يا محمد ومَثَلُهم كمثَلَ الناعِقِ والمَنْعُوق بها بما لا يسمع، لأن سمعهم لم يكن ينفعهم فكانوا في تركهم قبولَ ما يسمعون بمنزلة من لم يسمع [1]
بَنُو فلان يَطَؤُهم الطريقُ أَي أَهلُ الطَريقِ، حكاه سيبويه. قال ابن جني: فيه مِن السَّعةِ إخْبارُكَ عمّا لا يَصِحُّ وطْؤُه بما يَصِحُّ وطْؤُه، فنقول قِياسًا على هذا: أَخَذْنا على الطريقِ الواطِئ لبني فلان، ومَررْنا بقوم مَوْطُوئِين بالطَّريقِ، ويا طَريقُ طَا بنا بني فلان أَي أَدِّنا اليهم. قال: ووجه التشبيه إخْبارُكَ عن الطَّريق بما تُخْبِرُ بِهِ عن سالكيه، فَشَبَّهْتَه بهم إذْ كان المُؤَدِّيَ له، فَكأَنَّه هُمْ، وأَما التوكيدُ فِلأَنَّك إذا أَخْبَرْتَ عنه بوَطْئِه إِيَّاهم كان أَبلَغَ مِن وَطْءِ سالِكِيه لهم. وذلك أَنّ الطَّريقَ مُقِيمٌ مُلازِمٌ، وأَفعالُه مُقِيمةٌ معه وثابِتةٌ بِثَباتِه، وليس كذلك أَهلُ الطريق لأَنهم قد يَحْضُرُون فيه وقد يَغِيبُون عنه، فأَفعالُهم أَيضًا حاضِرةٌ وقْتًا وغائبةٌ آخَرَ، فأَيْنَ هذا مما أَفْعالُه ثابِتةٌ مستمرة. ولمَّا كان هذا كلامًا الغرضُ فيه المدحُ والثَّنَاءُ اخْتارُوا له أَقْوى اللَّفْظَيْنِ لأَنه يُفِيد أَقْوَى المَعْنَيَيْن [2] .
وقيل: الأَصل في هذا تشبيه الناقة بالجمل، فلما شاع ذلك واطَّرد صار كأَنه أَصل في بابه حتى عادوا فشَبَّهوا الجَمَل بالناقة في ذلك؛ وهذا كقول ذي الرمة:
ورَمْلٍ، كأَوْراك النِّساءِ، قَطَعْتُه ... إِذا أَظلمته المُظْلِمات الحَنادِسُ
وهذا من حملهم الأَصل على الفرع فيما كان الفرع أَفاده من الأَصل، ونظائره كثيرة، والعرب تفعل هذا كثيرًا، أَعني أَنها إذا شبهت شيئًا بشيء مكَّنَتْ ذلك الشبه لهما وعَمَّت به وجه الحال بينهما، أَلا تراهم لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأَعربوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأَن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأَعملوه؟ ورجل جُمَاليٌّ، بالضم والياء مشددة: ضَخْم الأَعضاء تامُّ الخَلْق على التشبيه بالجَمَل لعظمه [3] .
لولا فَوارِسُ من نُعْمٍ وأُسْرَتِهِمْ ... يَوْمَ الصُّلَيْفاء، لم يُوفُونَ بالجارِ
(1) (( (( لسان العرب(نعق) .
(2) (( (( لسان العرب(وطا) .
(3) (( (( لسان العرب(جمل) .