وأَما التوكيد فلأَنه أَخبر عن العَرَضِ بما يخبر به عن الجَوْهر، وهذا تَغالٍ بالعَرَضِ وتفخيم منه إذا صُيِّرَ إِلى حَيّز ما يشاهَدُ ويُلْمَسُ ويعاين [1]
وقوله عز وجل: ولكن تَعْمَى القُلوب التي في الصُّدُور؛ والقلب لا يكون إِلاَّ في
الصَّدْر إِنما جرى هذا على التوكيد، كما قال عز وجل: يقولون بأَفواههم؛ والقول لا يكون إِلاَّ بالفَمِ لكنه أَكَّد بذلك [2]
وقال أَحمد بن يحيى في قوله تعالى: وكَلَّم الله موسى تَكْلِيمًا؛ لو جاءت كَلَّمَ الله مُوسَى مجردة لاحتمل ما قلنا وما قالوا، يعني المعتزلة، فلما جاء تكليمًا خرج الشك الذي كان يدخل
في الكلام، وخرج الاحتمال للشَّيْئين والعرب تقول إذا وُكِّد الكلامُ لم يجز أن يكون التوكيد
لغوًا، والتوكيدُ بالمصدر دخل لإخراج الشك [3] .
ماوِيَّ، يا رُبَّتَما غارةٍ ... شَعْواء كاللَّذْعةِ بالمِيسَمِ
يريد يا رُبَّتَ غارة، وتجيءُ ما صِلَةً يُريد بها التَّوْكِيدَ كقول الله عز وجل: فبِما نَقْضِهم مِيثاقَهُم؛ المعنى فبِنَقْضِهم مِيثاقَهم، وتجيء مصدرًا كقول الله عز وجل: فاصْدَعْ بما تؤمر؛ أَي فاصْدَعْ بالأَمر، وكقوله عز وجل: ما أَغْنى عنه مالُه وما كَسَبَ؛ أَي وكَسْبُه [4]
وإنِّي، وتَهْيامِي بعَزَّةَ، بَعْدَما ... تَخَلَّيْتُ مِمَّا بَيْنَنا وتَخَلَّتِ
قال ابن جني: سأَلت أَبا عليٍّ فقلت له: ما موضعُ تَهْيامي من الإعراب؟ فأَفْتَى بأَنه مرفوع بالابتداء، وخبرُه قولُه بِعَزّة، وجعل الجملة التي هي تَهْيامِي بعزّة اعتراضًا بين إنّ وخبرِها لأن في هذا أَضْرُبًا من التشديد للكلام، كما تقول: إنّك، فاعْلَم، رجلُ سَوْءٍ وإنه، والحقَّ أَقولُ، جَمِيلُ المَذْهَب، وهذا الفصلُ والاعتراض الجاري مَجْرى التوكيد كثيرٌ في كلامهم، قال: وإذا جازَ الاعتراض بين الفعل والفاعل في نحو قوله:
وقد أَدْرَكَتْني، والحَوادِثُ جَمّةٌ، ... أَسِنّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٍ، ولا عُزْلِ
كانَ الاعتراضُ بين اسم إنّ وخبرها أَسْوَغَ، وقد يحتمل بيتُ كُثَيّر أَيضًا تاويلًا آخرَ
غير ما ذهب إليه أَبو عليّ، وهو أَن يكون تَهْيامِي في موضع جرٍّ على أَنه أَقْسَم به كقولك: إنّي
(1) (( (( لسان العرب(رحم) .
(2) (( (( لسان العرب(صدر) .
(3) (( (( لسان العرب(كلم) .
(4) (( (( لسان العرب(ما) .