وفي حديث الجهاد: إذا بُيِّتُّمْ فقولوا حاميم لا يُنْصَرون؛ قال ابن الأثير: قيل معناه اللهم
لا يُنْصَرُون، قال: ويُرِيدُ به الخَبرَ لا الدُّعاء لأَنه لو كان دعاء لقال لا يُنصروا مجزومًا فكأنه قال
والله لا يُنصرون [1]
ابن سيده: قوله، صلى الله عليه وسلم، إنَّ مما أَدرَك الناسُ من كلام النبوَّة إذا لم تَسْتَحِ
فاصْنَعْ ما شئتأَي من لم يَسْتَحِ صَنَعَ ما شاء على جهة الذمِّ لتَرْكِ الحَياء، وليس يامره بذلك ولكنه أَمرٌ بمعنى الخَبَر، ومعنى الحديث أَنه يامُرُ بالحَياء ويَحُثُّ عليه ويعيب تركه [2]
وفي الحديث: إذا لم تَسْتَحْيِ فاصْنَعْ ما شئتَ؛ قال جرير: معناه أَن يريد الرجل أَن يَعْمَلَ
الخيرَ فَيَدَعَه حَياء من الناس كأَنه يخاف مذهب الرياء، يقول فلا يَمْنَعَنك الحَياءُ من المُضِيّ
لما أَردت؛ قال أَبو عبيد: والذي ذهب إِليه جرير معنى صحيح في مذهبه ولكن الحديث لا تدل
سِياقتُه ولا لفظه على هذا التفسير، قال: ووجهه عندي أَنه أَراد بقوله إذا لم تَسْتَحْي فاصنع ما شئت إِنما هو من لم يَسْتَحِ صَنَعَ ما شاء على جهة الذمّ لترك الحياء ولم يرد بقوله فاصنع ما شئت أَن يامر بذلك أَمرًا، ولكنه أَمرٌ معناه الخبر كقوله، صلى الله عليه وسلم: من كذب عليّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَه من النار، والذي يراد من الحديث أَنه حَثَّ على الحياء، وأَمرَ به وعابَ تَرْكَه؛ وقيل: هو على الوعيد والتهديد اصنع ما شئت فإِن الله مجازيك، وكقوله تعالى: اعملوا ما شئتم، وذكر ذلك كله مستوفى في موضعه؛ وأَنشد:
إِذا لَمْ تَخْشَ عاقِبةَ اللّيالي ... ولمْ تَسْتَحْي، فاصْنَعْ ما تشاءُ
وهو كقوله تعالى: فمن شاء فَلْيُؤْمِنْ ومن شاء فَلْيَكْفُرْ [3] .
وفي التنزيل: والوالِداتُ يُرْضِعْن أَولادهن حولين كاملين؛ اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى
الأَمر كما تقول: حسبُك درهم، ولفظه الخبر ومعناه معنى الأَمر كما تقول: اكْتفِ بدرهم، وكذلك معنى الآية: لتُرْضِع الوالداتُ [4] .
(1) (( (( لسان العرب(حمم) .
(2) (( (( لسان العرب(حيا) .
(3) (( (( لسان العرب(صنع) .
(4) (( (( لسان العرب(رضع) .