وفي الحديث لما قرأ: ولتنظُرْ نفسٌ ما قدَّمت لِغدٍ، قال: تصَدَّق رجل من دينارِه
ومن دِرْهمِه ومن ثوبه أَي ليتصدق، لفظه الخبر ومعناه الأَمر كقولهم أَنجز حُرٌّ ما وعد أَي
ليُنْجِزْ [1] .
قال الشاعر:
صلَّى، على يَحْيَى وأَشْياعِه، ... ربُّ كريمٌ وشفِيعٌ مطاعْ
معناه ترحَّم الله عليه على الدعاءِ لا على الخبرِ [2] .
عليّ ثم فسر فقال: أَن عَبَّدْتَ بني إِسرائيل، فجعله بدلًا من النعمة؛ قال أَبو العباس:
وهذا غلط لا يجوز أَن يكون الاستفهام مُلْقىً وهو يُطْلَبُ، فيكون الاستفهام كالخبر؛ وقد
استُقْبِحَ ومعه أَمْ وهي دليل على الاستفهام، استقبحوا قول امرئ القيس: تروحُ مِنَ الحَيِّ أَم تَبْتَكِرْ
قال بعضهم: هو أَتَروحُ مِنَ الحَيِّ أَم تَبْتَكِر فحذفُ الاستفهام أَولى والنفي تام؛ وقال أَكثرهم:
الأَوّل خبر والثاني استفهام فأَما وليس معه أَم لم يقله إِنسان. قال أَبو العباس: وقال الفراء: وتلك
نعمة تمنها عليّ، لأَنه قال وأَنت من الكافرين لنعمتي أَي لنعمة تربيتي لك فأَجابه فقال: نعم
هي نعمة عليّ أَن عبَّدْت بني إسرائيل ولم تستعبدني، فيكون موضع أَن رفعًا ويكون نصبًا وخفضًا
من رفع ردّها على النعمة كأَنه قال وتلك نعمة تمنها عليّ تَعْبِيدُك بني إِسرائيل ولم تُعَبِّدْني، ومن خفض أَو نصب أَضمر اللام؛ قال الأَزهري: والنصب أَحسن الوجوه؛ المعنى: أَن فرعون لما قال لموسى: أَلم نُرَبِّك فينا وليدًا ولبثت فينا من عُمُرِكَ سنين، فاعْتَدَّ فرعون على موسى بأَنه ربَّاه وليدًا منذُ وُلدَ إِلى أَن كَبِرَ فكان من جواب موسى له: تلك نعمة تعتدّ بها عليّ لأَنك عبَّدْتَ بني إِسرائيل، ولو لم تُعَبِّدْهم لكَفَلَني أَهلي ولم يُلْقُوني في اليمّ، فإِنما صارت نعمة لما أَقدمت عليه مما حظره الله عليك؛ قال أَبو إِسحق: المفسرون أَخرجوا هذه على جهة الإِنكار أَن تكون تلك نعمة، كأَنه قال: وأَيّ نعمة لك عليّ في أَن عَبَّدْتَ بني إِسرائيل، واللفظ لفظ خبر؛ قال: والمعنى
(1) (( (( لسان العرب(صدق) .
(2) (( (( لسان العرب(صلا) .