الصفحة 34 من 214

لقلتها في (تهذيب الأزهري) و (محكم بن سيده) و (صحاح الجوهري) وحواشيه و (جمهرة ابن دريد) و (نهاية ابن الأثير) ولا يعقل أن تجتمع كل هذه المعجمات على هذه القلة دون أن يكون وراءها سببٌ واضحًا؟

-وهل يصح في البحث المعجمي أن يهتم المعجمي بحدود المصطلح العروضي ويغفل حدود مصطلحات البلاغة؟ وكلاهما ألفاظ عربية جديرة بأن يدرس كلاهما أو أن يغفلا على حد سواء.

ويمكن لمن سبر طريقة أهل المعاجم ونظر في جهودهم نظرة المدقق أن يقول: بأن صنيعهم هذا منهج اعتمدوه سار عليه المعجم العربي في بنائه، فهو منهج متبع لا إغفال مادة أو ضعف في اطلاع. ويمكن أن يجاب عن الأسئلة المتقدمة بالقول:

بأن ابن منظور إنما اهتم بالعروض لتعلق العروض باللفظ، فالعروض وإن كان يمثل الشكل الصوتي للجملة العربية إلا أن مباحثه من حيث الزحاف والعلة والضرورة الشعرية إنما تكون في اللفظ الواحد لا في ألفاظ الجملة، لذلك تكون أغلب مباحثه دائرة حول اللفظ منفردًا وهو يشبه من هذه الجهة طبيعة العمل المعجمي.

ولم يهتم ابن منظور كثيرًا بالبلاغة ومصطلحاتها؛ لأنها تتعلق في غالب مباحثها بالمعنى فالبلاغة العربية في صورة تبسيطية لعملها إنما هي دراسة لمعنى الجملة، تهتم أكثر ما تهتم بالفروق بين معاني الجمل فقد يكون المعنى العام واحدًا في جمل متشابهة إلا أن البلاغة العربية تقيم فروقا بين معاني هذه الجمل فتفرق بين الجملتين باعتبار التقديم والتأخير أو الخبر والإنشاء أو الايجاز والإطناب أو استعمال التشبيه أو الاستعارة أو الكناية أو التورية، وخير مثال على ذلك تلك التفرقة الشهيرة التي ذكرها المبرد للفيلسوف الكندي بين جمل:

عبد الله قائم، وإن عبد الله قائم، وإن عبد الله لقائم، ومن هنا نستطيع أن نتلمس سببًا مهمًا لطالما كان حاضرًا في النظرة التي لا تعد البديع علمًا أساسًا من علوم البلاغة، وأنه إنما يدور في غالب ملاحظه حول الزخرفة اللفظية التي تبتعد عن روح البلاغة، على ما في هذه النظرة من الخطأ في التعامل مع علم البديع.

واهتمام أهل المعاجم يدور حول الأشكال اللفظية للمعاني لاهتمامهم بألفاظ العربية ومحاولة حصرها؛ لذلك نراهم يثبتون الترادف في ألفاظ العربية ويهملون فروق المعاني في التوجه العام للمعجميين العرب هذا من جهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت